كتابته لها قبل كونها، المرتبة الثالثة مشيئته لها، والرابعة خلقه لها) [1] ، فالله سبحانه خالق كل شيء تقديرا وقدرة، ومراتب القدر هي المراحل التي يمر بها المخلوق من كونه معلومة في علم الله إلى أن يصبح واقعا مخلوقا مشهودا.
البارئ في اللغة اسم فاعل فعله برأ يبرأ برءا، وبَرُء بضم الراء أي خلا من العيب أو التهمة والمذمة، وخلص منها وتنزه عن وصفه بالنقص، وأبرأ فلانا من حق له عليه أي خلصه منه، وبرئ المريض أي شفي من مرضه [2] ، وفي صحيح مسلم من حديث جَابِرٍ - رضي الله عنه - أنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: (لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَل) [3] ، والبريء مرادف للبراء كما في قوله تعالى: {وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا} [النساء:112] ، وقوله: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ} [الزخرف:26] ، ويقال: بريت القلم أي جعلته صالحا للكتابة , وبريت السهم أي جعلته مناسبا وصالحا للإصابة، وقال الشاعر:
يا باري القوس بريا ليس يحكمه: لا تفسد القوس أعط القوس باريها [4] .
قال أبو إسحاق: (البرء خلق على صفة، فكل مبروء مخلوق، وليس كل مخلوق مبروءا، وذلك لأن البرء من تبرئة الشيء من الشيء من قولهم: برأت من المرض وبرئت من الدَّيْن أبرأ منه، فبعض الخلق إذا فصل من بعض سمي فاعلة بارئا) [5] .
والبارئ إذا كان تقدير فعله برء يَبْرَأ كفعل لازم فإن معناه السالم الخالي من النقائص والعيوب، والبارئ سبحانه له الكمال المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله، تنزه عن كل نقص وتقدس عن كل عيب، لا شبيه له ولا مثيل، ولا ند له ولا نظير، أما إذا كان البارئ تقدير فعله أبرأ كفعل متعد لمفعول، فالبارئ سبحانه يعني واهب الحياة للأحياء، الذي خلق الأشياء صالحة ومناسبة للغاية التي أرادها، وهو سبحانه الذي يُتِم الصنعة على وجه التدبير، ويظهر المقدور وفق سابق التقدير، قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحديد:22] [6] ، والبارئ أيضا هو الذي أبرأ الخلق، وفصل كل جنس عن الآخر،
(1) انظر تفصيل هذه المراتب والدليل عليها في شفاء العليل ص 29 وما بعدها.
(2) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص 15، جامع الأصول في أحاديث الرسول لابن الأثير 4/ 177.
(3) مسلم كتاب السلام، باب لكل داء دواء واستحباب التداوي 4/ 1729 (2204) .
(4) اشتقاق أسماء الله ص 242، ولسان العرب 1/ 239، وصبح الأعشى 2/ 485.
(5) تفسير أسماء الله الحسنى للزجاج ص 37.
(6) الأسماء والصفات للبيهقي ص 40، والمقصد الأسنى ص 72، وتفسير القرطبي 18/ 48، وشرح أسماء الله الحسنى للرازي ص 216، والكشاف للزمخشري 4/ 85.