الباب الأول
دعاء العبادة حقيقته ومنزلته وآدابه
تقدم الحديث في دعاء المسألة عن معنى الدعاء وأنه إمالة الشيءَ إليك بكلام يكون منك طلبا أو نداءً أو رغبة أو رجاءً أو سؤالا أو ابتهالا، وأن الدعاء يرد في القرآن والسنة على معنى النداء والطلب والسؤال والاستفهام والقول والتسمية والاستغاثة والحث على الشيء [1] .
والدعاء يرد أيضا بمعنى العبادة كما روى الترمذي وصححه الألباني من حديث النعمان - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الدُّعَاءَ هُوَ العِبَادَةُ، ثُمَّ قَرَأَ: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر:60] ) [2] .
والعبادة في اللغة هي الخضوع والتذليل من قولهم: طريق معبَّد أي مذلل بكثرة الوطء عليه، يقال: تعبَّد فلان لفلان إذا تذلل له، وكل خضوع ليس فوقه خضوع فهو عبادة، طاعة كان للمعبود أو غير طاعة، وكل طاعة لله على جهة المحبة والخضوع والتذلل فهي عبادة [3] .
والعبادة من جهة المعنى الشرعي تعني الخضوع التام المقترن بالإرادة وتعظيم المحبوب، فإن كان الخضوع والطاعة بغير إرادة فلا تسمى عبادة، بل هي في هذه الحالة إكراه وإلزام، قال ابن القيم: (والعبادة تجمع أصلين، غاية الحب بغاية الذل والخضوع، والعرب تقول: طريق معبد أي مذلل، والتعبد التذلل والخضوع، فمن أحببته ولم تكن خاضعا له لم تكن عابدا له، ومن خضعت له بلا محبة لم تكن عابدا له حتى تكون محبا خاضعا) [4] .
وقال أيضا: (العبادة هي الحب مع الذل؛ فكل من ذللت له وأطعته وأحببته دون
(1) أسماء الله الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة الجزء الرابع دعاء المسألة ص 13.
(2) الترمذي في التفسير، باب سورة المؤمن 5/ 274 (3247) ، صحيح الترغيب والترهيب (1627) .
(3) لسان العرب 14/ 258، والمفردات للراغب الأصفهاني ص 315.
(4) مدارج السالكين لابن القيم 1/ 74.