أرضه فاقتضى الاستخلاف والابتلاء أن يكون الإنسان بين عالمين، عالم الغيب وعالم الشهادة، ليتحقق مقتضى توحيد الله في أسمائه، وجلاء المعاني المتعلقة بأوصافه وأفعاله قال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا} [الجن:26] ، وقال: {ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [السجدة:6] ، وهو سبحانه أيضا الظاهر الذي أقام الخلائق وأعانهم، ورزقهم ودبر أمرهم، وهداهم سبلهم، فهو المعين على المعنى العام وهو نصير الموحدين من عباده على المعنى الخاص [1] .
الباطن اسم فاعل لمن اتصف بالبطون، والبطون خلاف الظهور، فعله بَطنَ يَبْطنُ بطونا، والبَطنُ من الإِنسان وسائِر الحيوان خلاف الظهْر، والبَطنُ من كل شيء جَوْفُه قال تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} [النحل:78] ، وقال: {وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَة لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا} [الأنعام:139] ، والبطون أيضا الخفاء والاحتجاب وعدم الظهور، ومنه قول الله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأنعام:151] ، وبطن الشيء أساسه المحتجب الذي تستقر به وعليه الأشياء، وعند مسلم من حديث جَابِرٌ - رضي الله عنه - أن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ شَهْرًا فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي نَزَلتُ فَاسْتَبْطَنْتُ بَطْنَ الوَادِي فَنُودِيتُ، فَنَظَرْتُ أَمَامِي وَخَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي فَلَمْ أَرَ أَحَدًا) [2] ، وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكةَ} [الفتح:24] ، قال ابن منظور: (وذلك أن بني هاشم وبني أمية وسادة قريش نزول ببطن مكة ومن كان دونهم فهم نزول بظواهر جبالها) [3] .
والباطن سبحانه هو المحتجب عن أبصار الخلق الذي لا يرى في الدنيا ولا يدرك في الآخرة، وفرق بين الرؤية والإدراك؛ فالله عز وجل لا يرى في الدنيا ويرى في الآخرة أما الإدراك فإنه لا يدرك في الدنيا ولا في الآخرة، قال تعالى: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلا} [الشعراء:61/ 62] ، فموسى نفى الإدراك ولم ينف الرؤية لأن الإدراك هو الإحاطة بالمدرك من كل وجه، أما الرؤية فهي أخص من ذلك، فكل إدراك يشمل الرؤية، وليس كل رؤية تشمل الإدراك، قال تعالى: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِك الأَبْصَارَ وَهُوَ اللطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام:103] [4] .
(1) الأسماء والصفات للبيهقي ص 24، وتفسير أسماء الله للزجاج ص 60، وشرح أسماء الله للرازي ص 252.
(2) مسلم في كتاب الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم 1/ 144 (161) .
(3) لسان العرب 1/ 136، وانظر في المعنى اللغوي: النهاية في غريب الحديث 13/ 52، ومفردات ألفاظ القرآن ص 130، واشتقاق أسماء الله للزجاج ص 137.
(4) انظر في الفرق بين الرؤية والإدراك: شرح العقيدة الطحاوية ص 208، وبيان تلبيس الجهمية 1/ 553.