فهرس الكتاب

الصفحة 231 من 673

تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتي مَا وَسْوَسَتْ بِهِ صُدُورُهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلمْ) [1] ، وهذا يتطلب استغفارا عاما لمحو خواطر الشر النابعة من هوى النفس، ويتطلب استعاذة لمحو خواطر الشر النابعة من لمة الشيطان، كما أنها تسجل ما يدور في منطقة الكسب مع وضع الثواب والعقاب، وهي تسجل فعل الإنسان المحدد بالزمان والمكان ثم تضع الجزاء المناسب بالحسنات والسيئات في مقابل العمل، فإذا تاب العبد من الذنب محيت سيئاته وزالت وغفرت بأثر رجعي وبدلت السيئات حسنات كما قال: {إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِل عَمَلًا صَالحًا فَأُولئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيما ً} [الفرقان:70] ، وهذه هي المبالغة في المغفرة أن الوزر يقابله بالتوبة الصادقة حسنات، فالله عز وجل غفار كثير المغفرة لم يزل ولا يزال بالعفو معروفا، وبالغفران والصفح عن عباده موصوفا وكل مضطر إلى عفوه ومغفرته كما هو مضطر إلى رحمته وكرمه، وقد وعد عباده بالمغفرة والعفو لمن أتى منهم بأسبابها فقال: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [طه:82] [2] .

الرءوف صيغة مبالغة من اسم الفاعل الرائف، وهو الموصوف بالرأفة، فعله رَأَفَ به يَرْأَف رَأْفة، والرأفة في حقنا هي امتلاء القلب بالرقة، وهي أشد ما يكون من الرحمة، وقيل: بل شدة الرحمة ومنتهاها، قال تعالى: {الزَّانِيَة وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ} [النور:2] ، يعني لا تنظروا بأي اعتبار يمكن أن يمنحهم شيئا من الرحمة والرقة، فلا ترحموهما فَتُسْقِطُوا عنهما ما أَمَرَ الله به من الحد، ويمكن القول أن الرحمة تسبق الرأفة، فالرأفة هي المنزلة التي تعقبها يقال: فلان رحيم فإذا اشتدت رحمته فهو رءوف، فالرأفة آخر ما يكون من الرحمة ولذلك قدمت الرأفة على الرحمة في وصف نبينا صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: {بِالْمُؤْمِنِينَ رءوف رَحِيمٌ} [التوبة:128] ، وذلك على اعتبار أن الرأفة مبالغة في الرحمة، والمبالغة في الرحمة تتعلق بخاصة المؤمنين، أما الرحمة في اسمه الرحمن فإنها تتعلق بالخلائق أجمعين، فالأمر في الرأفة والرحمة على قدر الولاية والإيمان وعلى حسب علو الهمة في عمل الإنسان وقد كانت رأفة النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه ما بعدها رأفة [3] .

(1) البخاري في العتق، باب الخطأ والنسيان في العتاقة والطلاق ونحوه 2/ 894 (2391) .

(2) تيسير الكريم الرحمن للسعدي 5/ 300.

(3) انظر في المعني اللغوي: لسان العرب 9/ 112، وروح المعاني 2/ 7، واشتقاق أسماء الله ص 86.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت