به عند المصائب الذي يطعم ولا يَطعَم ولم يلد ولم يولد [1] .
القريب في اللغة فعيل بمعنى اسم الفاعل يدل على صفة القرب، والقُرْبُ في اللغة نقيضُ البُعْد، قرُبَ الشيء يَقرُبُ قرْبا وقرْبانا أَي دَنا فهو قريبٌ، والقرب في اللغة على أنواع، منه قرب المكان كقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة:28] ، وقرب الزمان نحو قوله: {وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ} [الأنبياء:109] وقد يكون القرب في النسب نحو قوله: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ} [النساء:7] ، وكذلك من معاني القرب قرب الحظوة والمنزلة نحو قوله: {فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُقَرَّبِين فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ} [الواقعة:88/ 89] [2] .
والقريب سبحانه هو الذي يقرب من خلقه كما شاء وكيف شاء، وهو القريب من فوق عرشه أقرب إلى عباده من حبل الوريد كما قال: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق:16] ، وقال سبحانه أيضا: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ} [الواقعة:85] ، والقرب في الآيتين إما أن يكون على حقيقته باعتبار ما ورد عن ابن عباس - رضي الله عنه - حيث قال: (ما السموات السبع والأرضون السبع في يد الله إلا كخردلة في يد أحدكم) [3] ، وروى ابن حبان وصححه الألباني من حديث أبي ذر - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة) [4] ، فهذا قرب مطلق بالنسبة لله عز وجل لأنه قريب غير ملاصق، والمخلوقات كلها بالنسبة إليه تتقارب من صغرها إلى عظمة ذاته وصفاته، وهو بعيد غير منقطع بالنسبة لمقاييسنا، فلا يقدر أحد على إحاطة بعد ما بين العرش والأرض من سعته وامتداده، قال ابن منده في وصف قرب الله: (لقربه كأنك تراه قريب غير ملاصق وبعيد غير منقطع، وهو يسمع ويرى وهو بالمنظر الأعلى وعلى العرش استوى) [5] .
وقد يكون القرب قرب الملائكة لأنه ذكر في سياق الآية قرينة تدل على قرب الملائكة حيث قال: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ}
(1) الأسماء والصفات للبيهقي ص 78، وتفسير أسماء الله الحسنى للزجاج ص 57، والمقصد الأسنى ص 199.
(2) لسان العرب 1/ 662، والمفردات ص 663، واشتقاق أسماء الله ص 146.
(3) تفسير ابن كثير 3/ 296.
(4) صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان 2/ 77 (361) ، قال الألباني: لا يصح في صفة الكرسي غير هذا الحديث، انظر السلسلة الصحيحة 1/ 223 (109) .
(5) مختصر العلو ص 264.