إذا خرج للسفر: (اللهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السفرِ وَالخلِيفة فِي الأَهْلِ .. الحديث) [1] ، وهو الرفيق الذي يجمع عباده الموحدين عنده في الجنة كما قالت امرأت فرعون: {رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتا فِي الْجَنَّةِ} [التحريم:11] وعند البخاري من حديث عائشة قالت: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ وَهْوَ صَحِيحٌ: لَنْ يُقْبَضَ نَبِي قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ ثُمَّ يُخَيَّرُ، فَلَمَّا نَزَلَ بِهِ وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي، غُشِي عَلَيْهِ سَاعَةً، ثُمَّ أَفَاقَ فَأَشْخَصَ بَصَرَهُ إِلَى السَّقْفِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى، قُلْتُ: إِذًا لاَ يَخْتَارُنَا، وَعَلِمْتُ أَنَّهُ الْحَدِيثُ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا، وَهْوَ صَحِيحٌ، قَالَتْ: فَكَانَتْ تِلْكَ آخِرَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا: اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى) [2] .
المعطي اسم فاعل فعله من أعطى يعطي فهو معط، والعَطِيَّة اسمٌ لما يُعْطي وجمعها عَطايا وأَعْطِيَة، والعطاء إعطاء المال، والعَطاء أَصله اللفظي عَطاو بالواو لأَنه من عَطَوْت إِلا أَن العرب تَهْمِزُ الواو والياء إِذا جاءتا بعد الأَلف لأنها أفضل في النطق والحركة، ويقال: اسْتَعْطى وتَعَطي يعني سأَل العَطاء، وإِذا أَردْتَ من زَيدٍ أَن يُعْطِيكَ شيئًا تقول: هل أَنتَ مُعْطِيَّه؟ [3] .
والمعطي سبحانه هو الذي أعطى كل شيء خلقه وتولى أمره ورزقه في الدنيا والآخرة كما قال تعالى عن موسى - عليه السلام - وهو يصف عطاء الربوبية: {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُل شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه:50] ، وقال تعالى عن عطاء الآخرة: {وَأَمَّا الذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاء رَبك عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود:108] ، وعطاء الله قد يكون عاما أو خاصا، فالعطاء العام يكون للخلائق أجمعين، والعطاء الخاص يكون للأنبياء والمرسلين وصالح المؤمنين، فمن العطاء العام ما ورد في قوله تعالى: {كُلًا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} [الإسراء:20] ، والعطاء هنا هو تمكين العبد من الفعل ومنحه القدرة والاستطاعة، كل على حسب رزقه وقضاء الله وقدره، ومن العطاء الخاص استجابة الدعاء وتحقيق مطلب الأنبياء والصالحين من الأولياء، ومن ذلك الدعاء والعطاء في قصة سليمان - عليه السلام:
{قَالَ رَبِّ اغفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلكا لا يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَو أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [صّ:39] ، وكذلك في دعاء زكريا - عليه السلام - حيث قال: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا} [مريم:5] فحقق الله مطلبه وأعطاه ما يتمناه فقال: {يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا} [مريم:7] وقال عن عطائه للمؤمنين في الآخرة: {جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا} [النبأ:36] [4] .
المقيت اسم فاعل للموصوف بالإقاتة فعله أقات وأصله قَات يَقُوت قُوتا، والقوت لغة هو ما يمسك الرمق من الرزق، تقول: قات الرجلَ وأقاته أي أعطاه قوته والمصدر القوت، وهو المدخر المحفوظ الذي يقتات منه حين الحاجة، وعند أبي داود وصححه الألباني من حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ) [5] .
والمقيت سبحانه هو المقتدر الذي خلق الأقوات وتكفل بإيصالها إلى الخلق، وهو حفيظ عليها، فيعطي كل مخلوق قوته ورزقه على ما حدده سبحانه من زمان أو مكان أو كم أو كيف وبمقتضى المشيئة والحكمة، فربما يعطي المخلوق قوتا يكفيه لأمد طويل أو قصير كيوم أو شهر أو سنة، وربما يبتليه فلا يحصل عليه إلا بمشقة وكلفة، والله عز وجل خلق الأقوات على مختلف الأنواع والألوان ويسر أسباب نفعها للإنسان والحيوان قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفا أكلهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّان مُتَشَابِها وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كلوا مِنْ ثمَرِهِ إِذَا أَثمَر وَآتُوا حَقهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ المسْرِفِينَ} [الأنعام:141] ، وكما أنه سبحانه المقيت الذي يوفي كامل الرزق للإنسان والحيوان، فإنه أيضا مقيت القلوب بالمعرفة والإيمان، وهو الحافظ لأعمال العباد بلا نقصان ولا نسيان [6] ، قال البيهقي في تفسير الاسم: (المقيت هو المقتدر فيرجع معناه إلى صفة
(1) مسلم في الحج، باب ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج وغيره 2/ 978 (1342) .
(2) البخاري في الدعوات، باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته 4/ 1613 (4173) .
(3) لسان العرب 15/ 68، والمفردات ص 672.
(4) انظر المزيد في الاسنى في شرح أسماء الله الحسنى للقرطبي 1/ 355.
(5) أخرجه أبو داود في كتاب الزكاة، باب في صلة الرحم 2/ 132 (1692) ، وانظر تصحيح الألباني في إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (989) .
(6) انظر تفسير الاسم في شرح أسماء الله الحسنى للرازي ص 373، وتفسير الأسماء الحسنى للزجاج ص 48 والمقصد الأسنى للغزالي ص 102، واشتقاق أسماء الله ص 136، وزاد المسير 2/ 151.