فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 673

والله عز وجل هو المهيمن على عباده فهو فوقهم بذاته له علو القهر والشأن، ملك على عرشه لا يخفى عليه شيء في مملكته، يعلم جميع أحوالهم ولا يعزب عنه شيء من أعمالهم هو القاهر فوقهم، وإن تركهم أو ترك بعضهم مع ظلمهم وكفرهم فذلك لحكمته فيما هم فيه مبتلون، ولما قضى وقدر ميسرون كما قال تعالى: {وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ} [إبراهيم:42] ، فهو محيط بالعالمين مهيمن بقدرته على الخلائق أجمعين، وهو سبحانه على كل شيء قدير وكل شيء إليه فقير وكل أمر عليه يسير، لا يعجزه شيء ولا يفتقر إلى شيء: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى:11] [1] .

فجماع معنى المهيمن أنه المحيط بغيره الذي لا يخرج عن قدرته مقدور ولا ينفك عن حكمه مفطور، له الفضل على جميع الخلائق في سائر الأمور، قال أبو الحسن الأشعري: (خلق الأشياء بقدرته، ودبرها بمشيئته، وقهرها بجبروته وذللها بعزته فذل لعظمته المتكبرون، واستكان لعز ربوبيته المتعظمون، وانقطع دون الرسوخ في علمه العالمون، وذلت له الرقاب وحارت في ملكوته فطن ذوي الألباب، وقامت بكلمته السماوات السبع، واستقرت الأرض المهاد) [2] ، وقال ابن حجر: (وأصل الهيمنة الحفظ والارتقاب، تقول: هيمن فلان على فلان إذا صار رقيبا عليه فهو مهيمن) [3] ، فالمهيمن الرقيب على الشيء والحافظ له والقائم عليه وهذا ملحق بالمعنى السابق، ويلحق به أيضا تفسير المهيمن بالشهيد ومنه قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ َ} [المائدة:48] ، فالله شهيد على خلقه بما يكون منهم من قول أو فعل [4] ، وفي صحيح مسلم من حديث أَبِي ذَرٍّ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِيمَا يروي عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: (يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلاَ يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ) [5] ، وقيل في معنى المهيمن أيضا أنه الذي لا ينقص الطائع من ثوابه شيئا ولو كثر ولا يزيد العاصي عقابا على ما يستحقه لأنه لا يجوز عليه الكذب، وقد سمى الثواب والعقاب جزاء، وله أن يتفضل بزيادة الثواب ويعفو عن كثير من العقاب [6] .

(1) انظر شرح العقيدة الطحاوية ص 142، والأسماء والصفات للبيهقي ص 84.

(2) الإبانة ص 8، وانظر اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية لابن القيم ص 182.

(3) فتح الباري 8/ 269، وانظر جامع البيان عن تأويل آي القرآن 6/ 266.

(4) تفسير غريب الحديث للخطابي 2/ 91.

(5) مسلم في كتاب البر والصلة والأدب، باب تحريم الظلم 4/ 1994 (2577) .

(6) فتح الباري 6/ 366، وتفسير أسماء الله للزجاج ص 32، والمقصد الأسنى ص 69.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت