فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 673

وصور كل مخلوق بما ينساب الغاية من خلقه، قال أبو علي: ... (هو المعنى الذي به انفصلت الصور بعضها من بعض، فصورة زيد مفارقة لصورة عمرو وصورة حمار مفارقة لصورة فرس فتبارك الله خالقا وبارئا) [1] .

المصور في اللغة اسم فاعل للموصوف بالتصوير، فعله صور وأصله صار يَصُور صوْرا، وصور الشيء أي جعل له شكلا معلوما، وصور الشيء قطعه وفصله وميزه عن غيره، وتصويره جعله على شكل متصور وعلى وصف معين، والصورة هي الشكل والهيئة أو الذات المتميزة بالصفات [2] ، قال الراغب: (الصورة ما ينتقش به الأعيان ويتميز بها غيرها، وذلك ضربان: أحدهما محسوس يدركه الخاصة والعامة بل يدركه الإنسان وكثير من الحيوان بالمعاينة كصورة الإنسان والفرس والحمار، والثاني معقول يدركه الخاصة دون العامة كالصورة التي اختص الإنسان بها من العقل والروية والمعاني التي خُص بها شيء بشيء) [3] .

والمصور سبحانه هو الذي صور المخلوقات فيه بشتى أنواع الصور الجلية والخفية والحسية والعقلية، فلا يتماثل جنسان أو يتساوى نوعان بل لا يتساوى فردان، فلكل صورته وسيرته وما يخصه ويميزه عن غيره، والصور متميزة بألوان وأشكال في ذاتها وصفاتها، وإحصاؤها في نوع واحد، أو حصرها في جنس واحد أمر يعجز العقل ويذهل الفكر، فالمصور في أسماء الله الحسنى هو مبدع صور المخلوقات ومزينها بحكمته، ومعطي كل مخلوق صورته على ما اقتضت مشيئته وحكمته، وهو الذي صور الناس في الأرحام أطوارا، ونوعهم أشكالا كما قال ربنا تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ منَ السَّاجِدِينَ} [الأعراف:11] ، والله عز وجل كما صور الأبدان فتعددت وتنوعت نوع في الأخلاق فتتعدد صور الأخلاق والطباع [4] .

وأعظم تكريم للإنسان من الله المصور أنه خلقه على صورته في المعنى المجرد ليستخلفه في أرضه ويستأمنه في ملكه، روى البخاري ومسلم من حديث أَبِي هريرة - رضي الله عنه - أنِ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خَلَقَ الله آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى

(1) تفسير أسماء الله الحسنى للزجاج ص 37.

(2) اشتقاق أسماء الله ص 243.

(3) مفردات ألفاظ القرآن ص 497.

(4) الأسماء والصفات للبيهقي ص 44، والمقصد الأسنى ص 72، وشرح أسماء الله الحسنى للرازي ص 217.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت