قال البغوي: (ومذهب أهل السنة أن لله علما في الجمادات وسائر الحيوانات سوى العقلاء لا يقف عليه غيره، ولها صلاة وتسبيح وخشية، كما يجب على المرء الإيمان به ويكل علمه إلى الله تعالى) [1] .
ويذكر ابن تيمية أن الاقتصار فقط على تفسير سجودها وتسبيحها بنفوذ مشيئة الرب وقدرته فيهما ودلالتها على الصانع فهو باطل، لأن هذا وصف لازم دائم لها لا يكون في وقت دون وقت وهو مثل كونها مخلوقة محتاجة فقيرة إلى الله تعالى [2] .
وقال الشوكاني عن سجود المخلوقات وتسبيحها لله - عز وجل: (التسبيح على حقيقته والعموم على ظاهره، والمراد أن كل المخلوقات تسبح لله سبحانه، هذا التسبيح الذي معناه التنزيه، وإن كان البشر لا يسمعون ذلك ولا يفهمونه، ويؤيد هذا قوله سبحانه: {وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء:44] ، فإنه لو كان المراد تسبيح الدلالة لكان أمرا مفهوما لكل أحد) [3] ، وقد ذكر الله - عز وجل - المقارنة بين الإنسان وغيره من المخلوقات في وصف السجود للمعبود وبين أنها تفوق عليه في هذه الصفة فقال سبحانه وتعالى: {أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللهَ يسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ منْ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذَابُ وَمَنْ يُهِنْ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء} [الحج:18] ، فالله - عز وجل - عبر عن سجودهن جميعا بالعموم فكلهن ساجدات بلا استثناء، ولما عبر عن سجود الإنسان عبر بالخصوص، والقصد أن دعاء العبادة مرتبط بتوحيد الله في أسمائه وصفاته وأفعاله وإثبات علو الشأن له وتعظيمه وتقديسه، ولعل الأمر يتطلب الحديث عن دعاء العبادة وعلاقته بمقتضى الأسماء الحسنى لنصل إلى فهم دقيق لمعاني التوحيد.
لما خلق الله - عز وجل - العباد خلقهم لحكمة إلهية تظهر مقتضى أسمائه الحسنى وصفاته العليا، فلم يخلق الخلق عبثا ولم يترك العباد سدى، قال تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون:115] ، وقال سبحانه: أَيَحْسَبُ الإنسان
(1) قنوت الأشياء كلها لله تعالى، رسالة لابن تيمية ضمن جامع الرسائل 2/ 42.
(2) السابق 2/ 43، وانظر: الدر المنثور للسيوطي 5/ 289، تفسير الصنعاني 2/ 379، زاد المسير 5/ 38.
(3) فتح القدير للشوكاني 3/ 230، وانظر معاني القرآن الكريم للنحاس 4/ 159.