فهرس الكتاب

الصفحة 549 من 673

إلى غيره، فصانع الشيء ومؤلفه هو مالكه المتصرف فيه، ولو اعتدى أحد عليه بسلب ملكه ونسبته إلى نفسه أو غيره، سواء بالفعل أو بالادعاء لكان ظالما مدعيا ما ليس له بحق، ومن ثم فإن الله عز وجل وله المثل الأعلى لما كان منفردا بالخلق والأمر وله كمال الملك من جهة الأصالة والاستحقاق، فإنه من الظلم العظيم أن يدعي أحد من الخلق ما ليس له بحق في أي معنى من معاني الربوبية، كما فعل فرعون وهامان وقارون والنمرود بن كنعان، أو ينسب لنفسه الملك على وجه الأصالة لا على وجه الأمانة والامتحان، فالإنية الشركية كانت ولا تزال مصدرا للظلم والطغيان وسوء الخاتمة، قال - عز وجل: {الذِينَ آمَنُوا وَلمْ يَلبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلمٍ أُولئِكَ لهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام:81/ 82] ، روى البخاري من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - لما نزلت هذه الآية قال: (قُلنَا يَا رَسُول اللهِ: أَيُّنَا لاَ يَظْلمُ نَفْسَهُ؟ قَال: ليْسَ كَمَا تَقُولونَ: لمْ يَلبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلمٍ بِشِرْكٍ، أَوَلمْ تَسْمَعُوا إِلى قَوْل لقْمَانَ لاِبْنِهِ: {يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لظُلمٌ عَظِيمٌ} ) [1] ، فالموحد يغار على الملك الأوحد أن يرى غيره يعبد في مملكته، ولذلك كان الشرك قبيحا في قلوب الموحدين، وكان توحيد الله - عز وجل - زينة حياة الموحدين.

أما من جهة التسمية بعبد الملك والتعبد بهذا الاسم فكثير من السلف ورواة الحديث تسموا به، منهم عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، من صغار التابعين وهو ثقة، روى عنه البخاري من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهْوَ مُؤْمِنٌ وَلاَ يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهْوَ مُؤْمِنٌ) [2] .

يتجلى توحيد المسلم لربه في اسمه القدوس من خلال تنزيهه عن أقيسة التمثيل والشمول التي تحكمنا وتحكم أوصافنا، كما أنه ينزه الله عن وصف العباد له إلا ما وصف المرسلون، قال تعالى: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلى المُرْسَلينَ وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالمِينَ} [الصافات:182] ، فيصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به

(1) البخاري في أحاديث الأنبياء، باب قوله واتخذ الله إبراهيم خليلا 3/ 1226 (3181) .

(2) انظر مصنف عبد الرزاق 5/ 406، ومعرفة الثقات 2/ 101، والحديث رواه البخاري في كتاب الأشربة، باب النهبى بغير إذن صاحبه 2/ 875 (2343) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت