لله في الملك بأن يكون لهم نصيب وله نصيب، فنفت عن آلهتهم أن تملك مثقال ذرة في السماوات والأرض، ونفت أيضا وجود الظهير والمعين، فقد يدعى بعض المشركين أن آلهتهم لا يملكون شيئا ولا يشاركون الله في الملك لكنها تعد ظهيرا له أو معينا؛ أو مشيرا أو وزيرا يعاون الله في تدبير الخلق والقيام على شئونه، ثم نفي الله عنهم آخر ما تعلقوا به وهي الشفاعة من غير إذن، فقد جعلوا معبوداتهم وسطاء عند الله فقالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر:3] ، فأخبر سبحانه أنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فهو الذي يأذن للشافع والمشفوع فيه، وهو الذي يحدد لهم نوعية الشفاعة [1] ، فالأدلة مجتمعة على أنه لا خالق للكون إلا الله، ولا مدبر له سواه، وأنه الملك الحق الدائم القائم بسياسة خلقه إلى غايتهم.
التقديس في اللغة التطهير، ومنه سميت الجنة حظيرة القدس كما ورد عند البزار من حديث أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عن رب العزة: (من ترك الخمر وهو يقدر عليه لأسقينه منه في حظيرة القدس، ومن ترك الحرير وهو يقدر عليه لأكسونه إياه في حظيرة القدس) [2] ، وكذلك سمى جبريل - عليه السلام - روح القدس قال تعالى: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} [النحل:102] [3] .
والقداسة تعني الطهر والبركة، وقدس الرجل ربه أي عظمه وكبره، وطهر نفسه بتوحيده وعبادته، ومحبته وطاعته , ومن ذلك قول الملائكة: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة:30] ، فالقدوس لغة يعني المطهر المنزه عن كل نقص المتصف بكل أنواع الكمال [4] .
والقدوس سبحانه هو المنفرد بأوصاف الكمال الذي لا تضرب له الأمثال، فهو المنزه المطهر الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، والتقديس الذي هو خلاصة التوحيد الحق إفراد اللَّه سبحانه بذاته وأصافه وأفعاله عن الأقيسة التمثيلية والقواعد الشمولية والقوانين التي تحكم ذوات المخلوقين وأصافهم وأفعالهم، فالله عز وجل نزه نفسه عن كل نقص فقال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11] ، فلا مثيل له نحكم على كيفية أوصافه من خلاله، ولا يستوي مع سائر الخلق فيسري عليه قانون أو قياس أو قواعد تحكمه كما تحكمهم لأنه القدوس المطهر المتصف بالتوحيد المنفرد عن أحكام العبيد، ثم أثبت
(1) مجموع الفتاوى 11/ 528، والصواعق المرسلة 2/ 462.
(2) مسند البزار 3/ 181 (3584) والحديث صحيح لغيره، انظر صحيح الترغيب والترهيب (2375) .
(3) تفسير البيضاوي 3/ 420، ودقائق التفسير لابن تيمية 1/ 310.
(4) لسان العرب 6/ 168، وشرح أسماء الله الحسنى للرازي ص 94، والمقصد الأسنى ص 65.