فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 673

وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ [المؤمنون:91] ، فلا يجوز أن يكون في السماوات والأرض آلهة متعددة بل لا يكون الإله إلا واحدا وهو الله سبحانه، ولا صلاح لهما بغير الوحدانية، فلو كان للعالم إلهان ربان معبودان لفسد نظامه واختلت أركانه، قال تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنبياء:22] ، فأساس قيام الخلق وبقاء السماوات والأرض هي وحدانية الله وانفراده عمن سواه قال تعالى: {إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [فاطر:41] وقال أيضا: {وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءوفٌ رَحِيمٌ} [الحج:65] [1] .

القهار صيغة مبالغة، فعال من اسم الفاعل القاهر، والفرق بين القاهر والقهار أن القاهر هو الذي له علو القهر الكلي المطلق باعتبار جميع المخلوقات وعلى اختلاف تنوعهم، فهو قاهر فوق عباده، له علو القهر مقترنا بعلو الشأن والفوقية، فلا يقوى ملك من الملوك على أن ينازعه في علوه مهما تمادى في سلطانه وظلمه وإلا قهره القهار، ومعلوم أن المقهور يحتمي من ملك بملك، ويخرج بخوفه من سلطان أحدهما ليتقوى بالآخر، لكن الملوك جميعا إذا كان فوقهم ملك قاهر قادر فإلى من يخرجون وإلى جوار من يلجئون؟، قال تعالى: {قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [المؤمنون:88] ، وعند البخاري من حديث الْبَرَاءِ - رضي الله عنه - أن النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قال: (اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لاَ مَلْجَأَ وَلاَ مَنْجَا مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ) [2] ، فلا ملجأ ولا منجا من الله إلا إليه، فالقاهر هو الذي له علو القهر الكلي المطلق.

أما القهار فهو الذي له علو القهر باعتبار الكثرة والتعيين في الجزء، أو باعتبار نوعية المقهور، فالله عز وجل أهلك قوم نوح وقهرهم، وقهر قوم هود، وقهر فرعون وهامان والنمرود، قال تعالى: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى وَقَوْمَ نُوح مِّن قبْل إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أظلمَ وَأطغَى وَالمؤْتَفِكة أهْوَى فغَشَّاهَا مَا غشَّى فبِأيِّ آلاء رَبِّكَ تَتَمَارَى هَذا نَذِيرٌ مِّنَ

(1) انظر في هذه القضية: دقائق التفسير الجامع لتفسير شيخ الإسلام ابن تيمية 2/ 364، واقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية 1/ 459، كتاب المواقف لعضد الدين الإيجي 3/ 306، ولمع الأدلة في قواعد أهل السنة والجماعة ص 99، والغنية في أصول الدين ص 67، وشرح العقيدة الطحاوية ص 87.

(2) البخاري في كتاب الوضوء، باب فضل من بات على الوضوء 1/ 97 (244) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت