فهرس الكتاب

الصفحة 158 من 673

وحادة وتوحيدا، ووحده توحيدا جعله واحدا، والواحدُ أَول عدد الحساب وهو يدل على الإثبات، فلو قيل في الدار واحد لكان فيه إثبات واحد منفرد مع إثبات ما فوق الواحد مجتمعين ومفترقين [1] .

والواحد سبحانه هو القائم بنفسه المنفرد بوصفه الذي لا يفتقر إلى غيره أزَلا وأبَدا وهو الكامل في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهو سبحانه كان ولا شيء معه، ولا شيء قبله، ومازال بأسمائه وصفاته واحد أولا قبل خلقه، فوجود المخلوقات لم يزده كمالا كان مفقودا، أو يزيل نقصا كان موجودا، فالوحدانية قائمة على معنى الغنى بالنفس والانفراد بكمال الوصف، قال ابن الأَثير: (الواحد في أَسماء الله تعالى هو الفرد الذي لم يزل وحده ولم يكن معه آخر) [2] .

روى البخاري من حديث عمران - رضي الله عنه - أنه قال: (إني عندَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم إذ جاءهُ قومٌ من بني تميم، فقال: اقبَلوا البُشرى يا بنِي تميم، قالوا: بشَّرْتنا فأعطِنا، فدخلَ ناسٌ من أهل اليمن فقال: اقبلوا البُشرَى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم، قالوا: قبلنا جئناك لنتفقه في الدِّين، ولنسألك عن أولِ هذا الأمر ما كان؟ قال: كان اللهَ ولم يكن شيء قبلهُ وكان عرشه على الماء ثم خلقَ السماواتِ والأرضَ وكتب في الذكر كل شيء) [3] .

وقال تعالى: {مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا} [الكهف:51] ، فهو سبحانه وحده الذي خلق الخلق بلا معين ولا ظهير ولا وزير ولا مشير، ومن ثم فإنه وحده المنفرد بالملك، وليس لأحد في ملكه شرك كما قال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ} [سبأ:22] .

ومن الأدلة العقلية في إثبات وحدانية الإله وتفرده بالربوبية دليل التمانع وملخصه أنا لو قدرنا إلهين اثنين وفرضنا عرضين ضدين، وقدرنا إرادة أحدهما لأحد الضدين وإرادة الثاني للثاني فلا يخلو من أمور ثلاثة، إما أن تنفذ إرادتهما، أو لا تنفذ، أو تنفذ إرادة أحدهما دون الآخر، ولما استحال أن تنفذ إرادتهما لاستحالة اجتماع الضدين واستحال أيضا ألا تنفذ إرادتهما لتمانع الإلهين وخلو المحل عن كِلا الضدين، فإن الضرورة تقتضي أن تنفذ إرادة أحدهما دون الآخر، فالذي لا تنفذ إرادته هو المغلوب المقهور المستكره والذي نفذت إرادته هو الإله المنفرد الواحد القادر على تحصيل ما يشاء، قال تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ

(1) لسان العرب 3/ 446.

(2) القاموس المحيط للفيروز آبادي ص 414، المفردات ص 66.

(3) البخاري في بدء الخلق، باب ما جاء في قوله: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُه) 3/ 1166 (3019) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت