عَنْ عَبْدِ الكَرِيمِ الجَزَرِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: قَال أَبُو جَهْل: لئِنْ رَأَيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلى عِنْدَ الكَعْبَةِ لأَطَأَنَّ عَلى عُنُقِهِ، فَبَلغَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَال: لوْ فَعَلهُ لأَخَذَتْهُ المَلاَئِكَةُ) [1] .
دعاء العبادة هو أثر الإيمان بالاسم في اعتقاد المسلم وتوحيده لله في أسمائه وصفاته وأفعاله، فتعظيم العبد لربه يدعوه إلى تنفيذ أمره وتصديق خبره، ولا يقدم على قول الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ما استحسنه برأيه وعقله، فيعتقد أن ما أخبر الله به عنه نفسه ظاهر في حقه يخصه وحده دون غيره، فالسلف الصالح فهموا معنى الأحدية وفرقوا بين النصوص التي تدل على المخلوق وتلك التي تدل على الخالق؛ فالنصوص التي تدل على المخلوق تليق به وظاهرها مراد في حقه، وهي معلومة المعنى لورودها في القرآن والسنة بلغة عربية، وكذلك معلومة الكيفية لأننا نراها أو نرى نظيرها فنحكم عليها بالتشابه أو المثلية، لكن من البلاهة العقلية أن نطبق قوانين الجاذبية الأرضية على استواء الله على عرشه أو على حملة العرش أو على نزوله إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل، لأن ذلك ينطبق على الخلق ولا ينطبق على الخالق، فهو سبحانه وتعالى أحد متوحد منفرد عن قوانين البشر وأحكامهم، ومعلوم أننا لم نر الله - عز وجل - ولم نر له شبيها أو مثيلا، والشيء لا يعرف إلا برؤيته أو برؤية نظيره.
أما النصوص التي تدل على الخالق فهي معلومة المعنى أيضا لأن الله - عز وجل - خاطبنا بلغة عربية وليست أعجمية، فلا يمكن القول إن كلام الله بلا معنى، أو إنه ككلام الأعاجم، أو هو من قبيل الألغاز والإشارات، أما الكيفية الغيبية للصفات الإلهية التي دلت عليها هذه النصوص فهي كيفية حقيقية، لها وجود يعلمه الله ونجهله نحن لأننا ما رأينا الله وما رأينا له مثيلا، وعند مسلم من حديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تَعَلمُوا أَنَّهُ لنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ عَزَّ وَجَل حتى يَمُوتَ) [2] ، وكذلك ما رأينا لكيفيته - سبحانه وتعالى - نظيرا نحكم عليها من خلاله إذ يقول - عز وجل: {ليْسَ كَمِثْلهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى:11] ، والتوحيد أيضا تنعكس أثاره على المسلم في سلوكياته حتى في
(1) البخاري في التفسير، باب كلا لئن لم ينته لنسفعن بالناصية ناصية كاذبة خاطئة 4/ 1896 (4675) .
(2) مسلم في الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر بن صياد 4/ 2245 (169) .