المِيزَان يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ) [1] .
وهو الذي يهدي عباده أجمعين إلى جادة الحق المبين، هداهم سبل الشرائع والأحكام وتمييز الحلال من الحرام، وبين لهم أسباب صلاحهم في الدنيا والآخرة ودعاهم إلى عدم إيثار الدنيا على الآخرة، قال تعالى: {وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [يونس:25] ، وقال سبحانه: {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [هود:56] .
ويذكر ابن القيم أن الجواد سبحانه هو الذي له الجود كله، وجود جميع الخلائق في جنب جوده أقل من ذرة في جبال الدنيا ورمالها، فمن رحمته سبحانه بعباده أنه ابتلاهم بالأوامر والنواهي رحمة وحمية، لا حاجة منه إليهم بما أمرهم به فهو الغني الحميد، ولا بخلا منه عليهم بما نهاهم عنه فهو الجواد الكريم، ومن رحمته أن نغص عليهم الدنيا وكدرها لئلا يسكنوا إليها ولا يطمئنوا إليها، ويرغبوا في النعيم المقيم في داره وجواره، فساقهم إلى ذلك بسياط الابتلاء والامتحان، فمنعهم ليعطيهم وابتلاهم ليعافيهم، وأماتهم ليحييهم، ومن رحمته بهم أن حذرهم نفسه لئلا يغتروا به فيعاملوه بما لا تحسن معاملته به، كما قال تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران:30] ، قال غير واحد من السلف: من رأفته بالعباد حذرهم من نفسه لئلا يغتروا به [2] .
السبوح في اللغة من أبنية المبالغة على وزن فعُّول، فعله سبح يَسبحُ تسبيحا، وسَبَحَ في الكلام إِذا أَكثر فيه التَّسبيح والتنزيه، وسبحان الله معناه تنزيه الله من الصاحبة والولد، وقيل: معناه تنزيه الله تعالى عن كل ما لا ينبغي أن يوصف به، وجِماعُ معناه بُعْدُه تبارك وتعالى عن أَن يكون له شريك أَو ندّ، أَو مثيْل أَو ضدّ وسبَّحْتُ الله تسبيحًا وسُبْحانا بمعنى واحد [3] .
والسُبّوحُ عز وجل هو الذي له أوصاف الكمال والجمال بلا نقص، وله الأفعال المقدسة عن الشر والسوء، حيث يسْبحُ فيها قلبُ المسبح تذكرا وتفكرا فلا
(1) تكملة الحديث السابق عند البخاري.
(2) إغاثة اللهفان 2/ 157.
(3) لسان العرب 2/ 471، وكتاب العين 3/ 151، والمغرب للمطرزي 1/ 379.