فهرس الكتاب

الصفحة 234 من 673

أَخَذَ، وَلِلَّهِ مَا أَعْطَى كُلٌّ بِأَجَلٍ فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ) [1] ، والذي يجود بنفسه عند الموت لا دخل له في إخراج الروح أو إبقائها، وإنما ذلك لله عز وجل الذي يأمر ملائكته باستخراجها، ولكن عبر بأنه يجود بنفسه تكريما له إذ لا حيلة في دفع الموت، أو لرضاه بقدر الله واستعداده للقائه ورغبته في أن يلقى الله مؤمنا، كما في حديث عمران بن حصين - رضي الله عنه - في المرأة الجهنية التي رجمت بحد الزنا قال صلى الله عليه وسلم: (وَهَلْ وَجَدْتَ تَوْبَةً أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا للهِ تَعَالَى) [2] ، فالجود سهولة البذل والإنفاق وتجنب ما لا يحمد من الأخلاق ويكون بالعبادة والصلاح وبالسخاء والسماح [3] .

والجواد أيضا جمع جادة والجادة الطريق الممهد، أو سواء الطريق ووسطه، أو الطريق الأعظم التي تجتمع الطرق عليه كما ورد عند مسلم من حديث عبد الله بن سلام - رضي الله عنه - أنه قال: (بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ أَتَانِي رَجُلٌ فَقَالَ لِي: قُمْ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ قَالَ فَإِذَا أَنَا بِجَوَادَّ عَنْ شِمَالِي، قَالَ: فَأَخَذْتُ لآخُذَ فِيهَا فَقَالَ لِي: لاَ تَأْخُذْ فِيهَا فَإِنَّهَا طُرُقُ أَصْحَابِ الشِّمَالِ، قَالَ: فَإِذَا جَوَادُّ مَنْهَجٌ عَلَي يَمِيِنِي فَقَالَ لِي: خُذْ هَا هُنَا، فَأَتَيْتُ النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ، أَمَّا الطُّرُقُ الَّتِي رَأَيْتَ عَنْ يَسَارِكَ فَهِي طُرُقُ أَصْحَابِ الشِّمَالِ وَأَمَّا الطُّرُقُ الَّتِي رَأَيْتَ عَنْ يَمِينِكَ فَهِي طُرُقُ أَصْحَابِ الْيَمِينِ) [4] .

والجواد سبحانه هو الكامل في ذاته وأسمائه وصفاته، الذي ينفق على خلقه بكثرة جوده وكرمه، وفضله ومدده، فلا تنفد خزائنه، ولا ينقطع سحاؤه، ولا يمتنع عطاؤه، روى البخاري من حديث أَبِي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يَدُ اللهِ مَلأَى لاَ يَغِيضُهَا نَفَقَة سَحَّاء الليْلَ وَالنَّهَارَ، أرَأيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذ خَلقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا في يَدهِ) [5] ، وهو سبحانه من فوق عرشه عليم بموضع جوده في خلقه، فلا يعطي إلا بمقتضى عدله وحكمته، وما يحقق مصلحة الشيء وغايته، ولذلك جاء عقب ذكر جوده ونفقته: (عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ وَبِيَدِهِ الأخْرَى

(1) ربيع أول ... البخاري في القدر، باب وكان أمر الله قدرا مقدورا 6/ 2435 (6228) .

(2) محرم ... مسلم في الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنى 3/ 1324 (1696) .

(3) صفر ... لسان العرب 3/ 135، والنهاية في غريب الحديث 1/ 312، ومفردات ألفاظ القرآن 210.

(4) ربيع أول ... صحيح مسلم فضائل الصحابة باب من فضائل عبد الله بن سلام - رضي الله عنه - 4/ 1931 (2484) .

(5) البخاري في التوحيد، باب قول الله تعالى لما خلقت بيدي 6/ 2697 (6976) ، باب معنى لا يغيضها أي لا ينقصها نفقة، ومعنى سحاء أي كثرة السح والعطاء وهو إنزال الخير المتواصل، انظر فتح الباري 13/ 395.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت