فهرس الكتاب

الصفحة 203 من 673

فإن خزائن ملكه لا تفنى ومواد جوده لا تتناهى كما قال تعالى: {لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الشورى:12] ، وقال: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ} [الشورى:27] [1] .

والباسط سبحانه أيضا هو الذي يبسط يده بالتوبة لمن أساء، وهو الذي يملي لهم فجعلهم بين الخوف والرجاء، روى مسلم من حديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا) [2] .

وبعض أهل العلم أوجب عدم إطلاق الباسط إلا مقارنا للقابض وألا يفصل بينهما لأن كمال القدرة لا يتحقق إلا بهما معا [3] ، وهذا الكلام فيه نظر لأن أسماء الله كلها حسنى وكلها تدل على الكمال، وكل واحد منها يفيد المدح والثناء على الله بنفسه كما أن الأسماء الحسنى لا تخلو من التقييد العقلي بالممكنات [4] ، فالقبض مقيد بما يشاء الله قبضه والبسط كذلك، ولذلك إذا صرح النص بالتقييد ذكر الوصف فيه مفردا كما في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا} [الفرقان:46] ، فالقبض في الآية مقيد بالظل، وإطلاق القابض أيضا مقيد بالممكنات، وهكذا في سائر الأسماء ودلالتها على التقييد بالمفعولات، وقال تعالى في البسط: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ} [الشورى:27] ، فالبسط مقيد في الآية بالرزق، فاسما الله القابض والباسط كل منهما يفيد المدح والثناء بنفسه، وإن ذكرا مقترنين زادت دلالة الكمال في وصف رب العزة والجلال، كما هو الحال عند اقتران الحي مع القيوم، والرحمن مع الرحيم والغني مع الكريم، والقريب مع المجيب وغير ذلك من أسماء الله، فالقول بوجوب ذكر الاسمين معا فيه نظر وإن كان مستحسنا.

الرازق في اللغة اسم فاعل، فعله رَزَقَ يرزُق رَزْقًا ورِزْقًا، والرِّزْقُ هو ما يُنْتَفعُ به وجمعه أَرْزاق، والرزق هو العَطاء، واسْتَرْزَقه يعني طلب منه الرِّزق، وقد يسمى المطر رزقًا لأَن الرِّزْق يكون على أثره، ومعنى قول الله تعالى: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ}

(1) فتح القدير 2/ 57، وكتاب الأسماء والصفات للبيهقي ص 85.

(2) مسلم في التوبة، باب قبول التوبة من الذنوب 4/ 2113 (2759) .

(3) انظر تفسير الثعالبي 1/ 191، تفسير أسماء الله الحسنى ص 40 وانظر أيضا تفسير الثعالبي 1/ 191.

(4) اتظر أسماء الله الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة الجزء الأول الإحصاء ص 34.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت