قطب السعادة ومدار النجاة والفلاح، المرتبة الأولى إحصاء ألفاظها وعددها، المرتبة الثانية فهم معانيها ومدلولها، المرتبة الثالثة دعاؤه بها كما قال تعالى: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف:180] ، وهو مرتبتان إحداهما: دعاء ثناء وعبادة والثاني: دعاء طلب ومسألة، فلا يثنى عليه إلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى وكذلك لا يسأل إلا بها، فلا يقال: يا موجود أو يا شيء أو يا ذات اغفر لي وارحمني؛ بل يسأل في كل مطلوب باسم يكون مقتضيا لذلك المطلوب؛ فيكون السائل متوسلا إليه بذلك الاسم، ومن تأمل أدعية الرسل ولاسيما خاتمهم وإمامهم وجدها مطابقة لهذا) [1] .
وقد ذكر ابن القيم في شأن الموحدين أصحاب الهمم العالية أن العبد إذا كانت همته أعلى ونفسه أشرف أقبل على ربه متدبرا لعهده ففهمه وحفظه وعلم أن لربه شأنا في عهده ليس كشأن غيره، فوجد ربه قد تعرف إليه وعرفه بنفسه ووصفه واسمه وفعله، وعرفه أيضا بأحكامه، فعرف العبد من ذلك العهد ربا قيوما بنفسه مقيما لغيره غنيا عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، وأنه مستو على عرشه فوق جميع خلقه، يرى ويسمع ويرضي ويغضب ويحب ويبغض ويدبر أمر مملكته وهو فوق عرشه متكلم آمر ناه يرسل رسله إلى أقطار مملكته بكلامه الذي يسمعه من يشاء من خلقه، وأنه قائم بالقسط مجاز بالإحسان والإساءة، وأنه حليم غفور جواد محسن شكور موصوف بكل كمال، منزه عن كل عيب ونقص، وأنه لا مثيل له ولا نظير.
وشهد العبد أيضا حكمته في تدبير مملكته، وكيف يقدر المقادير بمشيئته من غير منازعة لعدله وحكمته، فتظاهر عنده العقل والشرع والفطرة، اتفقوا وصدق كل منهما صاحبيه، وفهم عن الله سبحانه ما وصف به نفسه في كتابه من حقائق أسمائه وأشرقت أنوارها على قلبه فصارت له كالمعاينة، فرأى حينئذ تعلق الأسماء والصفات
(1) انظر بدائع الفوائد 1/ 171.