فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 673

وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - أيضا أنه عند مجيء الحق للفصل بين الخلق يوم القيامة يغضب غضبا شديدا لم يَغضَبْ قبلَه مثله ولن يَغضبَ بعدَهُ مثلَه، فيبلُغُ الناسَ من الغمِّ والكَرَبِ ما لا يُطيقون ولا يَحتمِلون، فيبحثون عن شفيع قريب لكن الأنبياء يتخلفون إلا صاحب المقام المحمود يقول عندها أنا لها، كما ورد عند البخاري من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعا: (فأنطِلقُ، فآتي تحتَ العرش فأقَعُ ساجدًا لربي عزَّ وجل ثمَّ يَفتح اللهُ عليَّ من مَحامِدِه وحُسنِ الثناءِ عليهِ شيئًا لم يَفتحْهُ على أحدٍ قبلي، ثم يُقال: يا محمد ارفَعْ رأسك، سَل تُعطَهْ، واشفعْ تُشَفع) [1] ، وتلك المحامد أو ما ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - في الثناء على ربه - كما ذكر كثير من أهل العلم - أسماء من أسماء الله لم يعلمها أحد من قبل، يتعلمها النبي - صلى الله عليه وسلم - ويدعوا الله بها فيستجيب له [2] .

ومن ثم فإن أسماء الله التي تعرف بها إلى عباده والتي خصها النبي - صلى الله عليه وسلم - بالعدد المشار إليه في الأحاديث كلها حسنى وكلها عظمى على اعتبار ما يناسبها من أحوال العباد ودعائهم لله بها، وذلك كابتلاء لهم في الاستعانة بالله، والصدق معه والرغبة إليه، والخوف منه، والتوكل عليه، وغير ذلك من معاني العبودية وتحقيق العلة الغائية من خلقهم، ودعوتهم إلي الطاعة وفعل الخيرات، ومقاومة النفس واتباع الشهوات.

والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يبين التسعة والتسعين اسما على وجه العد والتفصيل ليجتهد الناس في البحث والتحصيل، وفي ذلك حكمة بالغة ومعان ساطعة؛ أن يطلبها الناس ويتحروها في كتاب الله وفي سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ لترتفع الدرجات وتتفاوت المنازل في الجنات، لأنه يلزم لحفظها إحصاؤها واستيفاؤها أولا؛ وهذا يتطلب اجتهادا وبحثا طويلا، ثم الإحاطة بمعانيها والعمل بمقتضاها ثانيا؛ وهذا يتطلب مجاهدة وجهادا كبيرا، ثم دعاء الله بها وحسن المراعاة لأحكامها وهذا يتطلب علما وفقها وبصيرة وتلك مراتب الإحصاء على ما ترجح من أقوال العلماء.

قال ابن القيم: (مراتب إحصاء أسمائه التي من أحصاها دخل الجنة وهذا هو

(1) البخاري في كتاب التفسير، باب ذرية من حملنا مع نوح 4/ 1746 (4435) .

(2) بدائع الفوائد 1/ 176، وطريق الهجرتين ص 224.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت