فهرس الكتاب

الصفحة 233 من 673

بلا غرض، ويعطي الحاجة بغير سؤال، ويسبغ على عباده النعم والأفضال، نعمه كامنة في الأنفس وجميع المصنوعات، ظاهرة بادية في سائر المخلوقات، نعم وعطاء وجود وهبات تدل على أنه المتوحد في اسمه الوهاب، قال تعالى: {للهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} [الشورى:50] [1] .

والله جل شأنه يهب العطاء في الدنيا على سبيل الابتلاء، ويهب العطاء في الآخرة على سبيل الأجر والجزاء، فعطاؤه في الدنيا علقه بمشيئته وابتلائه للناس بحكمته ليتعلق العبد بربه عند النداء والرجاء، ويسعد بتوحيده وإيمانه بين الدعاء والقضاء، وهذا أعظم فضل وهبة وعطاء إذا أدرك العبد حقيقة الابتلاء، واستعان بالله في تحقيق ما يتمناه، قال زكريا - عليه السلام - في دعائه: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا} [مريم:5] ، وقال سبحانه عن عباده الموحدين: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان:74] ، وقال تعالى في المقابل عن الراغبين في الدنيا المعرضين عن الآخرة: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورا ً} [الإسراء:18] ، فعلق تحقيق مراد العبد في الدنيا على مشيئته سبحانه، أما في الآخرة فيحقق للعبد مشيئته وما يتمناه قال تعالى: {لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} [قّ:35] ، فالله عز وجل من أسمائه الحسنى الوهاب ومن صفاته أنه يهب ما يشاء لمن يشاء كيف يشاء، فإن أوجب شيئا على نفسه فهو من فضله وكرمه، فما يعطيه لعباده ظاهرا وباطنا في الدنيا والآخرة إنما هي نعم وهبات وهي من الكثرة بحيث لا تحصيها الحسابات [2] .

الجواد في اللغة صفة مشبهة للموصوف بالجود، فعله جادَ يَجود جَوْدة، والجَيِّد نقيض الرديء، وقد جاد جَوْدة وأَجاد يعني أَتى بالجَيِّد من القول أَو الفعل، والجود هو الكرم، ورجل جَواد يعني سخي كثير العطاء، والجود من المطر هو الذي لا مطر فوقه في الكثرة، وفلان يَجُود بنفسه أَي يخرجها ويدفعها كما يدفع الإِنسان ماله ويجود به، وعند البخاري من حديث أسامة بن زيد - رضي الله عنه - قَالَ: (كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِذْ جَاءَهُ رَسُولُ إِحْدَى بَنَاتِهِ .. أَنَّ ابْنَهَا يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهَا: لِلَّهِ مَا

(1) انظر تفسير الأسماء للزجاج ص 60، والأسماء والصفات ص 97، والمقصد الأسنى ص 77.

(2) انظر المزيد في تفسير اسم الوهاب: الأسنى للقرطبي 1/ 396.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت