وروى البخاري من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كُلُّ أُمَّتِي مُعَافى إِلا المجَاهِرِينَ، وَإِن مِنَ المجَانَةِ أَن يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا، ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ الله، فَيَقُولَ يَا فُلاَنُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ) [1] ، وعند البخاري من حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، وَيَسْتُرُهُ فَيَقُولُ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا فَيَقُولُ نَعَمْ أَيْ رَبِّ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى في نَفسِهِ أَنَّهُ هَلَك قال سَتَرْتُهَا عَلَيْك في الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغفِرُهَا لَك اليَوْمَ، فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الكافِرُ وَالمُنَافِقُونَ فَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاَءِ الذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ، أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) [2] .
الكبير في اللغة من صيغ المبالغة فعله كَبُرَ كِبَرًا وكُبْرًا فهو كبير، والكبر نقيض الصغر كبر بالضم يكبر أي عظم، والكبير والصغير من الأسماء المتضايقة التي تقال عند اعتبار بعضها ببعض، فالشيء قد يكون صغيرا في جنب شيء وكبيرا في جنب غيره ويستعملان في الكمية المتصلة كالكثير والقليل والمنفصلة كالعدد [3] ، ويكون الكبر في اتساع الذات وعظمة الصافات نحو قوله تعالى: {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذا إِلا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ} [الأنبياء:58] ، وقوله: {فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} [الفرقان:52] ، وأيضا في التعالي بالمنزلة والرفعة كقوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا} [الأنعام:123] .
والكبير سبحانه هو العظيم في كل شيء، عظمته عظمة مطلقة، وهو الذي كبر وعلا في ذاته قال تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} [البقرة:255] ، روي عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: (ما السماوات السبع والأرضون السبع في يد الله إلا كخردلة في يد أحدكم) [4] ، وهو الكبير في أوصافه فلا سمي له ولا مثيل، ولا شبيه ولا نظير، قال تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم:65] ، وهو الكبير في أفعاله فعظمة الخلق تشهد بكماله وجلاله، قال تعالى: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [غافر:57] ، وهو سبحانه المتصف بالكبرياء ومن نازعه في ذلك قسمه وعذبه روى مسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الْعِزُّ إِزَارُهُ
(1) البخاري في الأدب، باب ستر المؤمن على نفسه 5/ 2254 (5721) .
(2) البخاري في المظالم، باب قول الله تعالى ألا لعنة الله على الظالمين 2/ 862 (2309) .
(3) لسان العرب 5/ 125، ومفردات ألفاظ القرآن ص 696.
(4) تفسير الطبري 24/ 25.