، فكما لا يخرج مقدور عن علمه وقدرته ومشيئته فهكذا لا يخرج عن حكمته وحمده، وهو محمود على جميع ما في الكون من خير وشر حمدا استحقه لذاته وصدر عنه خلقه وأمره، فمصدر ذلك كله عن الحكمة) [1] .
الغني في اللغة صفة مشبهة لمن اتصف بالغنى فعله غنِي غِنىً واسْتَغْنَى واغتَنَى فهو غنِيّ، والغنى في حقنا قلة الاحتياج وهو مقيد نسبي، ويتحقق غالبا بالأسباب التي استُؤمِن عليها الإنسان واستخلفه الله فيها كالأموال والأقوات التي يدفع بها عن نفسه الحاجات ومختلف الضروريات [2] ، قال تعالى: {إِنَّمَا السَّبِيل عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ} [التوبة:93] .
والغِنى إن تعلق بالمشيئة فهو وصف فعل كقوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَة فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِن اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة:28] ، وقوله: {وَأَنَّهُ هُوَ أَغنَى وَأَقْنَى} [النجم:48] ، وإن لم يتعلق بالمشيئة فهو وصف ذات كقوله تعالى: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران:97] ، وكقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر:15] .
والغني سبحانه هو المستغني عن الخلق بذاته وصفاته وسلطانه، والخلق جميعا فقراء إلى إنعامه وإحسانه، فلا يفتقر إِلى أَحدٍ في شيءٍ، وكلُّ مخلوق مفتقر إِليه، وهذا هو الغنى المُطْلَق، ولا يُشارِك اللهَ تعالى فيه غيرُه، والغني أيضا هو الذي يُغني من يشاءُ من عِباده على قدر حكمته وابتلائه، وأي غني سوى الله فغناه نسبي مقيد، أما غنى الحق سبحانه فهو كامل مطلق، ومهما بلغ المخلوق في غناه فهو فقير إلى الله لأن الله هو المنفرد بالخلق والتقدير والملك والتدبير فهو المالك لكل شيء المتصرف بمشيئته في خلقه أجمعين، يعطي من يشاء ما يشاء من فضله، وقسم لكل مخلوق ما يخصه في حياته ورزقه، عطاؤه لا يمتنع، ومدده لا ينقطع، وخزائنه ملأى لا تنفد، روى البخاري من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يَدُ اللهِ مَلأَى لاَ يَغِيضُهَا نَفَقَة سَحَّاء اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أرَأيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذ خَلقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا في يَدهِ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، وَبِيَدِهِ الأخْرَى المِيزَان يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ) [3] ، وعند مسلم من حديث أَبِي ذرٍّ الغفاري - رضي الله عنه - أن النبِي صلى الله عليه وسلم قال فيمَا رَوَى عَنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالى: (يَا عِبَادِي لوْ أَن أَوَّلكمْ
(1) طريق الهجرتين ص 161، وانظر أيضا الصواعق المرسلة 4/ 1565.
(2) انظر المعنى اللغوي في كتاب العين 7/ 450. والمغرب 2/ 115، لسان العرب 15/ 135.
(3) البخاري في التوحيد، باب قول الله تعالى لما خلقت بيدي 6/ 2697 (6976) ، باب معنى لا يغيضها أي لا ينقصها نفقة، ومعنى سحاء أي كثرة السح والعطاء وهو إنزال الخير المتواصل، انظر فتح الباري 13/ 395.