فهرس الكتاب

الصفحة 154 من 673

إلى معرفة الصفات ومن معرفة الصفات إلى معرفة الذات، فإذا شاهد شيئا من جمال الأفعال استدل به على جمال الصفات ثم استدل بجمال الصفات على جمال الذات ومن ههنا يتبين أنه سبحانه له الحمد كله وأن أحدا من خلقه لا يحصي ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه [1] .

الحيي في اللغة هو المتصف بالحياء، يقال: حَيِيَ منه حياء واستحيا منه واستحى منه، وهو حَيِي ذو حياء كغني ذو غنى [2] ، والحياء صفة خلقية رقيقة وسجية لطيفة دقيقة تمنع النفس من تجاوز أحكام العرف أو من تجاوز أحكام الشرع؛ وأحكام العرف يقصد بها كل ما تعرفه النفوس وتستحسنه العقول من مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، وهي التي كانت ولم تزل مستحسنة في كل زمان ومكان [3] ، وعند البخاري من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلاَمِ النُّبُوَّةِ الأُولَى إِذَا لَمْ تَسْتَح فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ) [4] .

والمقصود أن الحياء لم يزل مستحسنا في شرائع الأنبياء وأنه لم ينسخ في جملة ما نسخ من شرائعهم [5] ، وعند البخاري من حديث أبي سفيان - رضي الله عنه - قال: (فَوَاللهِ لَوْلا الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يؤثروا عَليَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ) [6] ، وعند البخاري من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ موسى كَانَ رَجُلا حَيِيًّا سِتِّيرًا لاَ يُرَى مِنْ جِلْدِهِ شَيْءٌ اسْتِحْيَاءً مِنْهُ) [7] ، والله عز وجل قال: {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} [القصص:25] ، فالحياء صفة أخلاقية وسجية نفسية تراعي مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم وهي كلها خير، أما حياء الشرع فهو الحياء الذي يحفظ به العبد حدود الله ومحارمه، وربما يتطلب ذلك ورعا واتقاء للشبهة مما يحيف على الحيي بعض الشيء [8] .

والله عز وجل هو الحيي الذي تكفل بعباده وبأرزاقهم لأنه ليس لهم أحد سواه فهو الذي يقبل توبتهم ويوفق محسنهم ويسمع دعاءهم ولا يخيب رجاءهم، وحياء الرب تعالى

(1) السايق ص 182.

(2) لسان العرب 14/ 218، والمغرب في ترتيب المعرب للمطرزي 1/ 238.

(3) انظر فتح الباري 1/ 75 وفيض القدير للمناوي 3/ 427، والجواب الكافي ص 46.

(4) البخاري في أحاديث الأنبياء، باب أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم 3/ 1284 (3296) .

(5) عون المعبود شرح سنن أبي داود 13/ 106.

(6) البخاري في بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم 1/ 7 (7) .

(7) البخاري في أحاديث الأنبياء، باب حديث الخضر مع موسى عليهما السلام 3/ 1249 (3223) .

(8) صحيح مسلم بشرح النووي 2/ 5.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت