فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 673

اللهُمَّ أَنْتَ الأَوَّلُ فَليْسَ قَبْلكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ فَليْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ) [1] ؟

قد يبدو في الظاهر أن بقاء أهل الجنة والنار أبدا متعارضا مع إفراد الله عز وجل بالبقاء وأنه الآخر الذي ليس بعده شيء، لكن هذا التعارض يزول إذا علمنا أنه لا بد أن نفرق في قضية البقاء والآخرية بين ما يبقى ببقاء الله وما يبقي بإبقاء الله، أو نفرق بين بقاء الذات والصفات الإلهية وبقاء المخلوقات التي أوجدها الله كالجنة والنار وما فيهما، فالجنة مثلا باقية بإبقاء الله وما يتجدد فيها من نعيم متوقف في وجوده على مشيئة الله، أما ذاته وصفاته فباقية ببقائه، وشتان بين ما يبقي ببقاء الله وما يبقي بإبقائه، فالجنة مخلوقة خلقها الله عز وجل وكائنة بأمره ورهن مشيئة وحكمه فمشيئة الله حاكمة علي ما يبقى وما لا يبقى.

ومن ثم فإن السلف الصالح يعتبرون خلد الجنة وأهلها إلى ما لا نهاية إنما هو بإبقاء الله وإرادته، فالبقاء عندهم ليس من طبيعة المخلوقات ولا من خصائصها الذاتية، بل من طبيعتها جميعا الفناء، فالخلود ليس لذات المخلوق أو طبيعته، وإنما هو بمدد دائم من الله تعالى وإبقاء مستمر لا ينقطع، أما صفات الله عز وجل ومنها وجهه وعزته وعلوه ورحمته ويده وقدرته وملكه وقوته فهي صفات باقية ببقائه ملازمة لذاته حيث البقاء صفة ذاتية لله كما أن الأزلية صفة ذاتية له أيضا، فلا بد إذا أن نفرق بين صفات الأفعال الإلهية وأبديتها ومفعولات الله الأبدية وطبيعتها، وهذا ما جاء به القرآن حيث فرق بين نوعين من البقاء، الأول وهو بقاء الذات بصفاتها كما في قوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَليْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلال والإكرام} [الرحمن:27] ، والثاني في قوله تعالى: {وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [الأعلى:17] ، فالآية الأولى دلت على صفة من صفات الذات وهى صفة الوجه ودلت على بقاء الصفة ببقاء الذات فأثبتت بقاء الذات بصفاتها، وأثبتت فناء ما دونها أو إمكانية فنائه، إذ أن الله هو الأول والآخر وهو قبل كل شيء وبعد كل شيء.

ومن معاني اسم الله الآخر أنه الذي تنتهي إليه أمور الخلائق كلها كما ورد عند البخاري من حديث البراء - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَهْبَةً وَرَغْبَةً إِلَيْكَ، لاَ مَلْجَأَ وَلاَ مَنْجَا مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ) [2] .

(1) مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة، باب ما يقول ثم النوم وأخذ المضجع 4/ 2084 (2713) .

(2) البخاري في الدعوات، باب فضل من بات على الوضوء 1/ 97 (244) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت