هذا اعتقاد السلف في جميع الصفات والأفعال، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقد تواتر في السنة مجيء اليد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فالمفهوم من هذا الكلام أن لله تعالى يدين مختصتان به ذاتيتان له كما يليق بجلاله، وأنه سبحانه خلق آدم بيده دون الملائكة وإبليس، وأنه سبحانه يقبض الأرض ويطوى السموات بيده اليمنى وأن يداه مبسوطتان) [1] .
قال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَي عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر:67] ، وورد عند أبي داود وصححه الألباني من حديث أَبُي مُوسَى - رضي الله عنه - أن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الأَرْضِ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الأَرْضِ، جَاءَ مِنْهُمُ الأَحْمَرُ وَالأَبْيَضُ وَالأَسْوَدُ وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَالسَّهْلُ وَالْحَزْنُ وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ) [2] .
الباسط اسم فاعل فعله بسَط يبسُط بَسطا، والبَسْطُ نقيض القَبْضِ وأَرض مُنْبَسطة مستويَة وانبسَط الشيء على الأَرض امتد عليها واتسع، وتبَسَّط في البلاد أَي سار فيها طولًا وعَرْضًا، وبَسِيطُ الوجهِ يعني مُتَهَلِّلٌ، والبَسِيطُ هو الرجل المُنبَسِط اللسان وبسَط إِليَّ يده بما أُحِبّ وأَكره، بسطُها يعني مَدُّها وفي الآية: {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ} [المائدة:28] ، وبسط الكف يستعمل على أنواع فتارة للطلب نحو قول الله تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ} [الرعد:14] وتارة للأخذ نحو قوله: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ} [الأنعام:93] ، وتارة للصولة والضرب كما قال تعالى: {وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} [الممتحنة:2] ، وتارة للبذل والعطاء نحو قوله: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة:64] [3] ، وبسط اليد في حقنا معلوم المعنى والكيفية أما في حق الله فمعلوم المعنى مجهول الكيفية.
الباسِطُ سبحانه هو الذي يَبْسُط الرزق لعباده بجُوده ورحمته، ويوسعه عليهم ببالغ كرمه وحكمته، فيبتليهم بذلك على ما تقتضيه مشيئته، فإن شاء وسع وإن شاء قتر فهو الباسط القابض، فإن قبض كان ذلك لما تقتضيه حكمته الباهرة لا لشيء آخر
(1) مجموع الفتاوى 6/ 363.
(2) أبو داود في كتاب السنة، باب في القدر 4/ 222 (4693) ، وانظر صحيح الجامع (1759) .
(3) لسان العرب 7/ 258، والمفردات ص 122.