فهرس الكتاب

الصفحة 201 من 673

أَخذت بِجُمْعِ كفِّك كله تقول: هذا قُبْضةُ كفِّي أَي قدر ما تَقْبضُ عليه، قال السامري: {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي} [طه:96] أَراد من تراب أَثر حافِر فرَس الرسول [1] ، وعند مسلم من حديث إِيَاس بْن سَلَمَةَ عن أبيه - رضي الله عنه - أنه قال غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حُنَيْنًا .. إلى أن قال:

(فَلَمَّا غَشُوا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَزَلَ عَنِ الْبَغْلَةِ ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ مِنَ الأَرْضِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَ بِهِ وُجُوهَهُمْ فَقَالَ: شَاهَتِ الْوُجُوهُ، فَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْهُمْ إِنْسَانًا إِلاَّ مَلأَ عَيْنَيْهِ تُرَابًا بِتِلْكَ الْقَبْضَةِ فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ) [2] ، والقبض قد يأتي بمعنى تأخير اليد وعدم مدها أو على المعنى المعاكس وهو تناولك للشيءِ بيدك مُلامَسةً كما ورد عند النسائي وحسنه الألباني من حديث عَائشَة رضي الله عنها أَنَّ امْرَأَةً مَدَّتْ يَدَهَا إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِكِتَابٍ فَقَبَضَ يَدَهُ فَقَالَتْ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ مَدَدْتُ يَدِي إِلَيْكَ بِكِتَابٍ فَلَمْ تَأْخُذْهُ فَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَدْرِ أَيَدُ امْرَأَةٍ هِيَ أَوْ رَجُلٍ قَالَتْ: بَلْ يَدُ امْرَأَةٍ، قَالَ: لَوْ كُنْتِ امْرَأَةً لَغَيَّرْتِ أَظْفَارَكِ بِالْحِنَّاءِ) [3] ، وقَبَضْتُ الشيءَ قبْضًا يعني أَخذته، والقَبْضُ قَبُولُكَ المَتاعَ وإِن لم تُحَوِّلُه من مكانه والقبض أيضا تَحْوِيلُكَ المَتاعَ إِلى حَيِّزِك، وصار الشيءُ في قَبْضِتي أَي في مِلْكِي، وقبِضَ المريضُ إِذا تُوفِّيَ أو أَشرف على الموت وعند البخاري من حديث أُسَامَةُ - رضي الله عنه - قال: (أَرْسَلَتِ ابْنَةُ النَّبِي صلى الله عليه وسلم إِلَيْهِ إِنَّ ابْنًا لي قُبِضَ فَائْتِنَا) [4] ، أَرادت أَنه في حال القَبْضِ ومُعالجة النَّزْع، وتَقَبَّضت الجلدةُ في النار أَي انْزَوَتْ، وقال تعالى في وصف المنافقين: {وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} [التوبة:67] ، أَي عن النفقة والصدقة فلا يُؤْتون الزكاة [5] .

والقابِضُ سبحانه هو الذي يمسك الرزق وغيره من الأشياء عن العِبادِ بلطفه وحِكمته، ويَقبِضُ الأَرْواحَ عند المَمات بأمره وقدرته، ويُضَيِّقُ الأسباب على قوم ويُوَسِّع على آخرين ابتلاء وامتحانا [6] ، وقبضه تعالى وإمساكه وصف حقيقي لا نعلم كيفيته، نؤمن به علي ظاهره وحقيقته، لا نمثل ولا نكيف، ولا نعطل ولا نحرف، فالإيمان بصفات الله فرع عن الإيمان بذاته والقول في صفاته كالقول في ذاته لأننا ما رأينا الله تعالى وما رأينا لذاته مثيلا، فهو أعلم بكيفية قبضه وبسطه أو إمساكه وأخذه، ولا داعي للتأويل الذي انتهجه المتكلمون بكل سبيل، فنؤمن بما أخبر الله بلا تمثيل ولا تعطيل، وعلى

(1) لسان العرب لابن منظور 7/ 213.

(2) مسلم في الجهاد والسير، باب في غزوة حنين 3/ 1402 (1777) .

(3) النسائي لسان العرب 7/ 214، وانظر اشتقاق أسماء الله للزجاج ص 40.

(4) البخاري باب قول النبي صلى الله عليه وسلم يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه 1/ 431 (1224) .

(5) تفسير ابن كثير 2/ 369، وتفسير الثعالبي 2/ 140.

(6) شرح أسماء الله الحسنى للرازي ص 241، والمقصد الأسنى للغزالي ص 82.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت