فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 673

بمنهجية البحث والدقة في تطبيقها.

وبعد بحث طويل في استخراج الشروط المنهجية أو القواعد الأساسية لإحصاء الأسماء الإلهية التي تعرف الله بها إلى عباده يمكن حصر هذه القواعد أو الضوابط في خمسة شروط لازمة لكل اسم من الأسماء الحسنى، دل عليها بوضوح شديد قول الله تعالى: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [لأعراف:180] ، وقال أيضا: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء:110] ، وحديث أَبِى هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - في الصحيحين مرفوعا: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) [1] ، أما كيفية استخراج الشروط من هذه الأدلة فبيانها مفصلا على النحو التالي:

-الشرط الأول من شروط الإحصاء:

أن يرد الاسم نصا في الآيات القرآنية أو ما ثبت في صحيح السنة النبوية، وهذا الشرط مأخوذ من قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف:180] وقوله: {فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء:110] ، ولفظ الأسماء يدل على أن الأسماء الحسنى معهودة موجودة، فالألف واللام هنا للعهد، ولما كان دورنا حيال الأسماء هو الإحصاء دون الاشتقاق والإنشاء، فإن الإحصاء لا يكون إلا لشيء موجود ومعهود؛ ولا يعرف ذلك إلا بما نص عليه كتاب الله وما صح بالسند المرفوع إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وفي هذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (الأسماء الحسنى المعروفة هي التي وردت في الكتاب والسنة) [2] .

ومن المعلوم من مذهب السلف الصالح أن أسماء الله الحسنى توقيفية على الأدلة السمعية ولا بد فيها من تحري الدليل بطريقة علمية تضمن لنا مرجعية الاسم إلى كلام الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، ولا يكون ذلك إلا بالرجوع إلى ما ورد في القرآن أو صحيح السنة النبوية على طريقة المحدثين؛ فمحيط الرسالة لا تخرج دائرته عن ذلك وقد تلقاها النبي - صلى الله عليه وسلم - عن طريق الوحي وعلى أشكاله المختلفة، قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم:1/ 5] ، ثم انقطع الوحي بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا ينزل على أحد إلى يوم القيامة، وهذا واضح من قوله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب:40] .

كما أن هذا الشرط يعتمد منهج السلف الصالح أيضا في كون الاحتجاج بصحيح السنة النبوية كالاحتجاج بالآيات القرآنية سواء بسواء، فلا خلاف بين جمهور العلماء الذين يعتد بهم في أن السنة حجة مستقلة في تشريع الأحكام، وأنها كالقرآن الكريم في تمييز الحلال من الحرام، وأنها المصدر الثاني لمعرفة أصول الإسلام وأنها المفصحة عن معاني القرآن والموضحة لأوامره وأخباره والكاشفة عن تأويل النص وبيان أسراره.

وقد أكد القرآن بوضوح أن السنة وحي من الله يجب الإيمان به ويجب اتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - في كل شيء وفي كل وقت؛ في حياته وبعد مماته، لأنها أصول لم تخصص بزمن دون زمن، فيجب تصديق الرسول - صلى الله عليه وسلم - في خبره والطاعة لأمره عن يقين ومحبة وإخلاص.

قال ابن حزم الأندلسي: (إن القرآن لما كان هو الأصل الذي يرجع إليه في معرفة الإسلام وجدنا فيه وجوب طاعة ما أمرنا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ووجدناه عز وجل يقول فيه واصفا لرسوله - صلى الله عليه وسلم: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم:4:3] ، فصح لنا بذلك أن الوحي ينقسم من الله عز وجل إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - على قسمين، أحدهما وحي متلو مؤلف تأليفا معجز النظام وهو القرآن، والثاني وحي مروي منقول غير مؤلف ولا معجز النظام ولا متلو، لكنه مقروء، وهو الخبر الوارد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو المبين عن الله عز وجل مراده منا) [3] .

ولا فرق أيضا في الاحتجاج بالسنة النبوية بين باب الأحكام الفقهية وباب القضايا الاعتقادية، قال أبو طالب المكي: (فإنا قوم متبعون نقفوا الأثر غير

(1) تقدم تخريجه.

(2) شرح العقيدة الأصفهانية ص 19.

(3) الإحكام في أصول الأحكام 1/ 93.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت