والقدر من باب أولى، وهي عند السلف المراحل التي يمر بها المخلوق من العلم الأزلي إلى أن يصبح واقعا مخلوقا مشهودا، أو من التقدير إلى المقدور، وهي عندهم أربع مراتب تشمل كل صغيرة وكبيرة في الوجود [1] .
فالقادر سبحانه هو الذي يقدر المقادير في علمه، وعلمه المرتبة الأولى من قضائه وقدره، حيث قدر كل شيء قبل تصنيعه وتكوينه، ونظم أمور الخلق قبل إيجاده وإمداده، فالقادر يدل على التقدير في المرتبة الأولى، أما القدير فيدل على القدرة وتنفيذ المقدر في المرتبة الرابعة، فالقدير هو الذي يخلق وفق سابق التقدير، والقدر من التقدير والقدرة معا، فبدايته في التقدير ونهايته في القدرة وتحقيق المقدر، ولذلك يقول تعالى: {وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرا مَقْدُورا} [الأحزاب:38] ، فالقدير هو المتصف بالقدرة.
ويذكر ابن القيم أن القضاء والقدر منشؤه عن علم الرب وقدرته، ولهذا قال الإمام أحمد: (القدر قدرة الله) [2] ، واستحسن ابن عقيل هذا الكلام من الإمام أحمد غاية الاستحسان، ولهذا كان المنكرون للقدر فرقتين: فرقة كذبت بالعلم السابق ونفته وهم غلاتهم الذين كفرهم السلف والأئمة وتبرأ منهم الصحابة، وفرقة جحدت كمال القدرة وأنكرت أن تكون أفعال العبادة مقدورة لله تعالى، وصرحت بأن الله لا يقدر عليها ولا يخلقها، فأنكر هؤلاء كمال قدرة الرب وتوحيده في اسمه القدير وأنكرت الأخرى كمال علمه وتوحيده في اسمه القادر [3] .
اللطيف في اللغة صفة مشبهة للموصوف باللطف فعله لطف يلطف لطفا، ولطف الشيء رقته واستحسانه وخفته على النفس، أو احتجابه وخفاؤه [4] ، وعند البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها قالت حين قال لها أهل الإفك ما قالوا: (وَيَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لاَ أَرَى مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم اللُّطْفَ الذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَمْرَضُ) [5] ، فاللطف الرقة والحنان والرفق.
واللطيف سبحانه هو الذي اجْتَمع له العلمُ بدَقائق المصَالح وإيصَالها إلى مَن قدرها له مِن خَلقه مع الرفق في الفِعْل والتنفيذ، يقال: لطف به وله، فقوله: اللهُ لَطِيفٌ
(1) انظر تفصيل هذه المراتب في شفاء العليل ص 29 وما بعدها.
(2) السابق ص 28.
(3) السابق ص 28، وانظر أيضا: طريق الهجرتين ص 163، وشرح قصيدة ابن القيم 1/ 257، ومنهاج السنة النبوية 3/ 254.
(4) اشتقاق أسماء الله ص 138، والنهاية في غريب الحديث 4/ 251.
(5) البخاري في الشهادات، باب تعديل النساء بعضهن بعضا 2/ 943 (2518) .