فهرس الكتاب

الصفحة 185 من 673

السوء في القلوب، فالقلب فيه منطقتان: منطقة حديث النفس ومنطقة الكسب، فمن المنطقة الأولى تخرج الخواطر التي تتطلب الاستغفار العام، وهي خواطر النفس الأمارة كما ورد في قوله سبحانه وتعالى: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} [يوسف:53] ، وعند البخاري عن أَبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (وَاللهِ إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً) [1] ، وعند مسلم من حديث الأَغرِّ الْمُزَنِيِّ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي وَإِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ) [2] .

الثاني: الاستغفار الخاص وهو متعلق بمنطقة الكسب بعد تعمد الفعل واقتراف الإثم في اللسان والجوارح كقوله تعالى: {وَالذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ التِي حَرَّمَ اللهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان:70] .

والله عز وجل خلق البشر بإرادة حرة مخيرة بين الحق والباطل والخطأ والصواب وأعلمهم أنه الغفور التواب، ليظهر لهم الكمال في أسمائه ويحقق فيهم مقتضى أوصافه لتعود المنفعة عليهم لأنه الغني عنهم أجمعين، روى الترمذي وحسنه الألباني من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ) [3] ، وعند مسلم من حديث أَبِي أَيُّوبَ - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لَوْ أَنَّكُمْ لَمْ تَكُنْ لَكُمْ ذُنُوبٌ يَغْفِرُهَا اللهُ لَكُمْ لَجَاءَ اللهُ بِقَوْمٍ لَهُمْ ذُنُوبٌ يَغْفِرُهَا لَهُمْ) [4] .

الودود في اللغة من صيغ المبالغة، والودُّ مصدر المودَّة، فعله وَدَّ الشيء وُدّا ووِدّا ووَدَّا، والود بمعنى الأمنية ومنه قوله تعالى: {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ} [البقرة:96] ، والودُّ أيضا بمعنى المحبة كما في قوله: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة:22] ، والودود في اللغة أيضا قد يأتي على معنى المعية والمرافقة والمصاحبة كلازم من لوازم المحبة، كما ورد عند مسلم من حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ

(1) البخاري في الدعوات، باب استغفار النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم والليلة 5/ 2324 (5948) .

(2) مسلم في الذكر والدعاء والتوبة، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن 4/ 2075 (2702) .

(3) الترمذي في صفة القيامة 4/ 659 (2499) وانظر صحيح الجامع حديث رقم (4515) .

(4) مسلم في كتاب التوبة، باب سقوط الذنوب بالاستغفار توبة 4/ 2105 (2748) ، وانظر في المعنى اللغوي لسان العرب 3/ 453، وكتاب العين 8/ 99، والمفردات ص 860.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت