فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 673

وصححه الألباني من حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو - رضي الله عنه - كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ قَلْبٍ لاَ يَخْشَعُ، وَدُعَاءٍ لاَ يُسْمَعُ، وَمِنْ نَفسٍ لاَ تَشْبَعُ، وَمِنْ عِلمٍ لاَ يَنْفَعُ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَؤُلاَءِ الأَرْبَعِ) [1] ، وكقوله تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ الله يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر:22] .

البَصِيرٌ في اللغة من أبنية المبالغة فعيل بمعنى فاعل فعله بَصُرَ يُبصِرُ بَصَرا وتَبَصَّرَهُ، قال تعالى: {فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ} [الأنعام:104] وتَبَاصَرَ القومُ أَبْصَرَ بعضهم بعضًا، والبَصَرُ يقال للعَيْنُ إِلاَّ أَنه مذكر، ويقال أيضا لحِسُّ العَيٌّن والنظر، أو القوة التي تبصر بها العين أو حاسة الرؤْية، والتَّبَصُّر التَّأَمُّل والتَّعَرُّف والتعريف والإِيضاح، والبَصيرة الحجة والاستبصار، وهي اسم لما يعقد في القلب من الدين وتحقيق الأَمر، وقيل: البَصيرة الفطنة، ورجل بَصِيرٌ بالعلم عالم به، وبَصرُ القلب نَظرهُ وخاطره [2] .

والبصير سبحانه هو المتصف بالبصر، والبصر صفة من صفات ذاته تليق بجلاله يجب إثباتها لله دون تمثيل أو تكييف، أو تعطيل أو تحريف، فهو الذي يبصر جميع الموجودات في عالم الغيب والشهادة ويرى الأشياء كلها مهما خفيت أو ظهرت ومهما دقت أو عظمت، وهو سبحانه وتعالى مطلع على خلقه يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور، لا يخفى عليه شيء من أعمال العباد، بل هو بجميعها محيط ولها حافظ ذاكر، فالسر عنده علانية والغيب عنده شهادة، يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، ويرى نياط عروقها ومجاري القوت في أعضائها [3] ، قال ابن القيم:

وهو البصير يرى دبيب النملة السوداء تحت الصخر والصوان

ويرى مجاري القوت في أعضائها: ويرى عروق بياضها بعيان

ويرى خيانات العيون بلحظها: ويرى كذاك تقلب الأجفان [4] .

والله عز وجل هو البصير الذي ينظر للمؤمنين بكرمه ورحمته، ويمن عليهم بنعمته وجنته، ويزيدهم كرما بلقائه ورؤيته، ولا ينظر إلي الكافرين تحقيقا لعقوبته، فهم مخلدون في العذاب محجوبون عن رؤيته، كما قال تعالى: {كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} [المطففين:15] ، وقال: {أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ الله وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران:77] ، وعند البخاري من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أن النَّبِيِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلمُهُمُ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى وَهْوَ كَاذِبٌ، وَرَجُل حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ، وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ) [5] .

المولى في اللغة مصدر على وزن مَفعَل، فعله ولي يلي وليا وولاية، والمولى اسم يطلق على الرَّب والمالِك والسَّيْد والمنْعم والمعْتق والنَّاصِر والمحِب والتابِع والجار وابن العَمّ والحلِيف والعَقِيد والصِّهْر والعَبْد والمنْعم عليه، والفرق بين الولي والمولى أن الولي هو من تولى أمرك وقام بتدبير حالك وحال غيرك وهذه من ولاية العموم، أما المولى فهو من تركن إليه وتعتمد عليه وتحتمي به عند الشدة والرخاء وفي السراء والضراء وهذه من ولاية الخصوص [6] .

والمولى سبحانه هو من يركن إليه الموحدون ويعتمد عليه المؤمنون في الشدة والرخاء، والسراء والضراء، ولذلك خص الولاية هنا بالمؤمنين، قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ} [محمد:11] ، وقال: {وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الأنفال:40] ، وقال: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ الله لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة:51] .

والله عز وجل جعل ولايته للموحدين مشروطة بالاستجابة لأمره، والعمل في طاعته وقربه، والسعي إلى مرضاته وحبه، فمن حديث أَبِي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطُشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ) [7] .

والنصير في اللغة من صيغ المبالغة، فعيل بمعنى فاعِل أَو مفعول لأَن كل واحد من

(1) الترمذي في الدعوات 5/ 519 (3482) ، انظر صحيح ابن ماجة 1/ 47 (202) .

(2) لسان العرب 4/ 64، والنهاية في غريب الحديث 1/ 131، وكتاب العين 7/ 117، والمفردات ص 127.

(3) مدارج السالكين 3/ 253، وتفسير ابن جرير الطبري 1/ 431، والأسماء والصفات للبيهقي ص 63 وتفسير أسماء الله الحسنى للزجاج ص 42، وشرح أسماء الله الحسنى للرازي ص 247.

(4) توضيح المقاصد وتصحيح القواعد في شرح قصيدة الإمام ابن القيم 2/ 215.

(5) البخاري في المساقاة، باب من رأى أن صاحب الحوض 2/ 834 (2240) .

(6) انظر لسان العرب 5/ 411، الغريب لابن سلام 3/ 141، والنهاية في غريب الحديث 5/ 227.

(7) البخاري في الرقاق، باب التواضع 5/ 2384 (6137) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت