الله القيوم؛ فإن جميع الأسماء الحسنى تدل على صفة القيومية باللزوم ما عدا القيوم فإنه يدل عليها بالتضمن، ولولا صفة الحياة والقيومية ما كملت بقية أسمائه وصفاته وأفعاله، فدوام الحياة والقيومية من دلائل دوام والملك والربوبية، وكمال الصفات الإلهية، وقد أحسن ابن قيم الجوزية حين وصف ذلك في النونية فقال:
وله الحياة كمالها فلأجل ذا ما للممات عليه من سلطان
وكذلك القيوم من أوصافه ما للمنام لديه من غشيان
وكذاك أوصاف الكمال جميعها ثبتت له ومدارها الوصفان
فمصحح الأوصاف والأفعال والأسماء حقا ذانك الوصفان
ولأجل ذا جاء الحديث بأنه في آية الكرسي وذي عمران
اسم الإله الأعظم اشتملا على اسم الحي والقيوم مقترنان
فالكل مرجعها إلى الاسمين يدري ذاك ذو بصر بهذا الشان [1] .
اسم الله العلي يدل على ذات الله وعلى علو الذات والفوقية بدلالة المطابقة، وعلى ذات الله وحدها بالتضمن، وعلى الصفة وحدها بالتضمن، قال تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى} [طه:5] ، وقال: {إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ} [لأعراف:54] ، واسم الله العلي يدل باللزوم على الحياة والقيومية، والملك والأحدية، والسيادة والصمدية، والكبرياء والعظمة، والهيمنة والعزة، والقوة والقدرة، وغير ذلك من أوصاف الكمال.
وتجدر الإشارة إلى الفرق بين العلو والاستواء، فالعلو وصف ذاتي لله عز وجل على الدوام سواء قبل وجود العرش أو حال وجوده، فالله عز وجل فوق جميع الخلق بذاته تنزه عن الحلول والاتحاد، والممازجة والاختلاط، فهو بائن من خلقه والخلق بائنون منه، وهو عال على عرشه بوصف ذاته قبل خلق السماوات والأرض وما بينهما، أما بعد خلقهما فهو عال على عرشه بوصف ذاته وفعله، لأن الاستواء على العرش وصف فعل يتعلق بمشيئة الله تم بعد خلق السماوات والأرض، ولذلك ورد في ستة مواضع من القرآن التعبير بقوله ثم استوى على العرش، وهي لغويا تفيد الترتيب والتراخي [2] ، قال تعالى: {الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَل بِهِ خَبِيرًا} [الفرقان:59] [3] ، وعلى ذلك فإن العلو الذي دل عليه اسمه العلي وصف ذاتي من لوازم الذات الإلهية، وهو أعم من الاستواء فكل استواء علو وليس كل علو استواء [4] .
العظيم اسم يدل على ذات الله وعلى صفة العظمة بدلالة المطابقة، وعلى أحدهما بالتضمن، وعند البخاري من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُل يُسْمَعْ، وَسَل تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ ائْذَنْ لي فِيمَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله، فَيَقُولُ: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله) [5] ، وعند أبي داود وصححه الألباني من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قَالَ الله عَزَّ وَجَل: الكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ في النَّارِ) [6] .
وقد ورد وصف العظمة أيضا عند أبي داود وصححه الألباني من حديث عوف بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - أنه قَالَ: (ثُمَّ رَكَعَ صلى الله عليه وسلم بِقَدْرِ قِيَامِهِ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ: سُبْحَانَ ذِي الجَبَرُوتِ وَالمَلَكُوتِ وَالكِبْرِيَاءِ وَالعَظَمَةِ) [7] ، أما دلالة الاسم على وصف الفعل المتعلق بالمشيئة فكما ورد في قوله تعالى: {ذَلِكَ أَمْرُ الله أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ الله يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا} [الطلاق:5] ، وفي المسند وصححه الألباني من حديث أَنَسِ - رضي الله عنه - أَن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُعَظمَ الله رِزْقَهُ، وَأَنْ يَمُدَّ فِي أَجَلِهِ؛ فَليَصِل رَحِمَهُ) [8] .
واسم الله العظيم يدل باللزوم على الحياة والقيومية، والسيادة والصمدية، والعزة والأحدية، وانتفاء الشبيه والمثلية، وكذلك يدل على السمع والبصر، والعلم والحكمة والمشيئة والقدرة وغير ذلك من صفات الكمال، والاسم دل على صفة من صفات
(1) توضيح المقاصد وتصحيح القواعد في شرح قصيدة الإمام ابن القيم 1/ 259.
(2) انظر الفصول المفيدة في الواو المزيدة، لأبي سعيد خليل بن عبد الله العلائي ص 95.
(3) وانظر أيضا: سورة الأعراف:54، ويونس:3، والرعد:2، والسجدة:4، والحديد:4.
(4) انظر حول هذا المعنى: اجتماع الجيوش الإسلامية 1/ 93، 1/ 107، ومجموع الفتاوى 5/ 54.
(5) البخاري في التوحيد باب ذرية من حملنا مع نوح 4/ 1746 (4435) .
(6) أبو داود في اللباس، باب ما جاء في الكبر 4/ 59 (4090) ، وانظر صحيح الجامع (1908) .
(7) أبو داود: كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده 1/ 230 (873) .
(8) مسند الإمام أحمد 3/ 156 (12610) ، وانظر صحيح الجامع (6291) .