أنزل به كتابه فتعرف به إلى عباده، وقسم استأثر به في علم غيبه فلم يطلع عليه أحد من خلقه، ولهذا قال استأثرت به أي انفردت بعلمه) [1] .
وقال النووي: (وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - من أحصاها دخل الجنة فاختلفوا في المراد بإحصائها، فقال البخاري وغيره من المحققين معناه حفظها، وهذا هو الأظهر لأنه جاء مفسرا في الرواية الأخرى من حفظها، وقيل أحصاها عدها في الدعاء بها، وقيل أطاقها أي أحسن المراعاة لها والمحافظة على ما تقتضيه وصدق بمعانيها، وقيل معناه العمل بها والطاعة بكل اسمها، والإيمان بها لا يقتضي عملا، وقال بعضهم المراد حفظ القرآن وتلاوته كله لأنه مستوف لها، وهو ضعيف والصحيح الأول) [2] .
هذا ما ذكره أغلب العلماء فكيف نوفق بين تلك الآراء في معنى الإحصاء وبعد أن ظهرت نتيجة البحث؟
الإحصاء في اللغة معناه الحفظ والجمع والعد والإحاطة كما قال تعالى: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ} [المجادلة:6] ، وقال: {وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا} [الجن:28] ، قال ابن منظور: (الإِحْصَاءُ العَدُّ والحِفْظ وأَحْصَيْت الشيءَ عَدَدته، وأَحْصَى الشيءَ أَحاط به) [3] .
من الواضح اتفاق العلماء على أن أسماء الله الكلية لا تحصى ولا تعد فهو سبحانه الوحيد الذي يعلم عددها، أما تخصيص بعضها بتسعة وتسعين اسما وتأكيد النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله مائة إلا واحدا، فالعلة في ذلك والله أعلم أن كل مرحلة من مراحل الخلق يظهر فيها الحق سبحانه وتعالى من أسمائه وصفاته ما يناسب الغاية من وجودها ويحقق منتهى الحكمة وإبداع الصنعة ودلائل الكمال والجلال؛ ففي مرحلة الدنيا وما فيها من
(1) بدائع الفوائد 1/ 171، تحقيق هشام عبد العزيز عطا وآخرون، نشر مكتبة نزار، مكة المكرمة، الطبعة الأولى 1416 هـ / 1996، وله أيضا شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، ص 277 تحقيق محمد بدر الدين أبو فراس، دار الفكر، بيروت، 1398.
(2) صحيح مسلم بشرح النووي 17/ 5.
(3) لسان العرب 14/ 184.