هداهم إلى توحيده وعبوديته، وهو الذي أكرهم في الآخرة بجنته، ومنَّ عليهم في النعيم برؤيته [1] ، ورحمة الله لا تقتصر على المؤمنين فقط؛ بل تمتد لتشمل ذريتهم من بعدهم تكريما لهم كما قال تعالى في نبأ الخضر والجدار:
{وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} [الكهف:82] ، فالإيمان بالله والعمل في طاعته وتقواه من أهم أسباب الرحمة الخاصة، قال تعالى: {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [آل عمران:132] ، وقال: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون} [الأنعام:155] [2] .
أصل الملك في اللغة الربط والشد، قال ابن فارس: (أصل هذا التركيب يدل على قوة في الشيء وصحة، ومنه قولهم: ملكت العجين أملكه ملكا إذا شددت عجنه وبالغت فيه) [3] ، والملك هو النافذ الأمر في ملكه، إذ ليس كل مالك ينفذ أمره وتصرفه فيما يملكه، فالملك أعم من المالك [4] ، والملك الحقيقي هو الله وحده لا شريك له، ولا يمنع ذلك وصف غيره بالملك كما قال: {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [الكهف:79] ، فهذا ملك مخلوق وملكه مقيد محدود، أما الملك الحق فهو الذي أنشأ الملك وأقامه بغير معونة من الخلق، وصرف أموره بالحكمة والعدل والحق، وله الغلبة وعلو القهر على من نازعه في شيء من الملك.
فالملك سبحانه هو الذي له الأمر والنهي في مملكته، وهو الذي يتصرف في خلقه بأمره وفعله، وليس لأحد عليه فضل في قيام ملكه أو رعايته، قال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ} [سبأ:22/ 23] .
وهذه الآية تضمنت نفي جميع الوجوه التي تعلل بها المشركون في التعلق بمعبوداتهم فنفت الآية عن آلهتهم كل أوجه التأثير في الكون ممثلة في نفي الملك التام، وذلك لانعدام ربوبيتهم فلا يخلقون في الكون شيئا، ولا يدبرون فيه أمرا، وكذلك نفي المشاركة
(1) انظر في هذا المعنى: تفسير ابن جرير الطبري 1/ 57، وفتح الباري 13/ 358.
(2) شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك 4/ 538، وتفسير الطبري 16/ 7، وحاشية ابن القيم على سنن أبي داود 6/ 55، وجامع العلوم والحكم ص 186.
(3) انظر المغرب في ترتيب المعرب لابن المطرز 2/ 274، وانظر أيضا: النهاية في غريب الحديث 4/ 359 ولسان العرب 10/ 495، ومفردات ألفاظ القرآن ص 472 بتصرف.
(4) تفسير أسماء الله الحسنى للزجاج ص 30.