فهرس الكتاب
تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران:19] ، وشهادة الله لنفسه بالوحدانية تضمنت عند السلف عدة مراتب، قال ابن أبي العز: (وعبارات السلف في شهد تدور على الحكم والقضاء والإعلام والبيان والإخبار، وهذه الأقوال كلها حق لا تنافي بينها، فإن الشهادة تتضمن كلام الشاهد وخبره، وتتضمن إعلامه وإخباره وبيانه، فلها أربع مراتب، فأول مراتبها علم ومعرفة واعتقاد لصحة المشهود به وثبوته، وثانيها تكلمه بذلك وإن لم يعلم به غيره بل يتكلم بها مع نفسه ويتذكرها وينطق بها أو يكتبها، وثالثها أن يعلم غيره بما يشهد به ويخبره به ويبينه له، ورابعها أن يلزمه بمضمونها ويأمره به، فشهادة الله سبحانه لنفسه بالوحدانية والقيام بالقسط تضمنت هذه المراتب الأربع، علمه بذلك سبحانه وتكلمه به وإعلامه وإخباره لخلقه به وأمرهم وإلزامهم به) [1] ، فالله شهيد يشهد بصدق المؤمنين إذا وحدوه ويشهد لرسله وملائكته وفوق كل شهادة شهادته لنفسه بالوحدانية، وقد تقدم تفصيل ذلك في اسم الله المؤمن بما يغني عن الإعادة.
المُقَدِّمُ في اللغة اسم فاعل، فعله قدَّمَ يقَدَّم تقديما، وعند البخاري من حديث ابن عباس - رضي الله عنه - مرفوعا: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ) [2] ، وعنده أيضا من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) [3] ، والقَدَم كل ما قدّمْتَ من خير أو شر، وتَقَدَّمَتْ لفُلان فيه قَدَمٌ، أي تَقَدُّم في خير وشرٍّ، والقَدَمُ والقُدْمةُ السَّبْقَةُ في الأمر، قال تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [يونس:2] ، ومعنى قدم صدق يعني عملًا صالحا قدّموه يقال: لفلان قَدَمُ صِدْقٍ أَي أَثرَة حَسَنة، ويقول تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ} [الحجر:24] ، قيل معناه لقد علمنا المستقدمين منكم في طاعة أو من يأْتي منكم أَولًا إِلى المسجد ومن يأْتي متأَخرا، أو من يتقدم من الناس على صاحبه في الموت [4] .
والمقدم سبحانه هو الذي يقدم ويؤخر وفق مشيئته وإرادته، فالتقديم من أنواع التدبير الذي يتعلق بفعل الله في خلقه، وهو على نوعين، كوني وشرعي، فالتقديم الكوني تقدير الله في خلقه وتكوينه وفعله كما ورد ذلك في قوله: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا
(1) شرح العقيدة الطحاوية ص 89.
(2) البخاري في كتاب التهجد، باب التهجد بالليل 1/ 377 (1069) .
(3) البخاري في كتاب الصوم، باب صوم رمضان احتسابا من الإيمان 1/ 22 (38) .
(4) لسان العرب 12/ 467، كتاب العين 5/ 122، عون المعبود 2/ 331.