فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 673

نَفْعًا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [يونس:49] ، وقوله تعالى: {قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ} [سبأ:30] ، وأيضا من التقديم المتعلق بالتدبير الكوني، اصطفاء الحق لمن شاء من خلقه، وتقديم بعض خلقه على بعضه، بناء على حكمته في ابتلاء المخلوقات واصطفاء من شاء للرسالات كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} [آل عمران:33] ، وقوله عن مريم: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران:42] ، وقوله عن طالوت: {قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة:247] ، فهذا اصطفاء وتقديم يتعلق بالتدبير الكوني.

أما التقديم الشرعي فهو متعلق بمحبة الله لفعل دون فعل، وتقديم بعض الأحكام على بعض لما تقتضيه المصلحة التي تعود على العباد، كما في سنن النَسائي وصححه الألباني من حديث البَرَاءِ - رضي الله عنه - أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَي الصَّفِّ الْمُقدَّمِ، وَالمُؤَذّن يُغْفَرُ لَهُ بِمَدِّ صَوْتِهِ، وَيُصَدِّقُهُ مَنْ سَمِعَهُ مِنْ رَطبٍ وَيَابِسٍ، وَلَهُ مِثْل أَجْرِ مَنْ صَلَّى مَعَهُ) [1] ، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لَوْ تَعْلَمُونَ أَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ لَكانَتْ قُرْعَةً) [2] ، وعند أبي داود وصححه الألباني من حديث أَنَسِ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (أَتِمُّوا الصَّفَّ الْمُقَدَّمَ ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ فَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ فَلْيَكُنْ فِي الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ) [3] ، ولا عبرة بمن ادعى أنه لا يرغب في التقدم إلى الصف الأول بحجة أن الناس يطلبون فيه الأجر وأن والعبادة الحق هي ما يكون بغير عوض أو مقابل [4] ، وعند البخاري من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أَسْرِعُوا بِالجِنَازَةِ، فَإِن تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ، وَإِن يَك سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكمْ) [5] .

فالمُقَدِّم سبحانه هو الذي يُقدِّم الأشياء ويَضَعها في مواضِعها على مقتضى الحكمة والاستحقاق، فمن اسْتَحقّ التقديمَ قدّمه ومن استحق التأخير أخره، والله تعالى أيضا هو المقدم الذي قدم الأحباء وعصمهم من معصيته، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأنبياء تشريفا له على غيره، وقدم أنبياءه وأولياءه على غيرهم، فاصطفاهم ونصرهم وطهرهم

(1) النسائي في الأذان، باب رفع الصوت بالأذان 2/ 13 (646) ، وانظر صحيح الجامع (1841) .

(2) مسلم في الصلاة، باب تسوية الصفوف وإقامتها وفضل الأول فالأول منها 1/ 326 (439) .

(3) أبو داود في الصلاة، باب تسوية الصفوف 1/ 180 (671) ، وانظر صحيح الجامع (122) .

(4) انظر طبقات الصوفية ص 489، والتعرف لمذهب أهل التصوف ص 161، وصفة الصفوة 2/ 249.

(5) البخاري في الجنائز، باب السرعة بالجنازة 1/ 442 (1252) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت