شكركم وإيمانكم) [1] .
المنان في اللغة من صيغ المبالغة على وزن فعال، فعله مَنَّ يَمُنُّ مَنّا، يعني قطعه وذهب به، والمَنِينُ الحبل الضعيف، وحَبل مَنينٌ إِذا أَخْلقَ وتقطع، ورجل مَنِينٌ أَي ضعيف، يقال: كأَنَّ الدهر مَنَّه وذهب بمُنَّته أَي بقوته، والمَنُون الموت لأَنه يَمُنُّ كل شيء فيضعفه وينقصه ويقطعه، وعليه جاء قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ} [الطور:30] ، ومَنَّ عليه أَحسن وأنعم عليه، وقوله عز وجل: {وَإِن لَك لأَجْرا غَيْرَ مَمْنُونٍ} [القلم:3] أي غير محسوب أو غير مقطوع أو غير منقوص [2] .
قال الراغب الأصفهاني: (المنة النعمة الثقيلة، ويقال ذلك على وجهين: أحدهما أن يكون ذلك بالفعل، فيقال: منَّ فلان على فلان إذا أثقله بالنعمة، وعلى ذلك قوله: {لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران:164] ، .. وذلك على الحقيقة لا يكون إلا لله تعالى، والثاني: أن يكون ذلك بالقول، وذلك مستقبح فيما بين الناس إلا عند كفران النعمة، ولقبح ذلك قيل: المنة تهدم الصنيعة، ولحسن ذكرها عند الكفران قيل: إذا كفرت النعمة حسنت المنة، وقوله: {يَمُنُّونَ عَلَيْك أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُم بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ للإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الحجرات:17] ، فالمنة منهم بالقول ومنة الله عليهم بالفعل وهو هدايته إياهم كما ذكر) [3] .
والمنان سبحانه هو العظيم الهبات الوافر العطايا، الذي يُنْعِمُ غيرَ فاخِرٍ بالإِنعام والذي يبدأ بالنوال قبل السؤال، وهو المُعْطي ابتداء وانتهاء، قال تعالى: {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل:18] ، فلله المِنَّة على عباده ولا مِنَّة لأَحد عليه، فهو المحسن إلي العبد والمنعم عليه، ولا يطلب الجزاء في إحسانه إليه بل أوجب بفضله لعباده حقا عليه، منة منه وتكرما إن هم وحدوه في العبادة ولم يشركوا به شيئا [4] .
روى البخاري من حديث مُعَاذٍ بن جبل - رضي الله عنه - قال: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ، فَقَالَ: (يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ
(1) تفسير البيضاوي 2/ 272، وتفسير الطبري 5/ 340.
(2) السابق 5/ 106، وزاد المسير لابن الجوزي 8/ 328.
(3) مفردات غريب القرآن ص 777.
(4) لسان العرب 13/ 418، وتفسير القرطبي 16/ 94، والأسماء والصفات للبيهقي ص 128.