وخلاصة القول في مسألة العذر بالجهل أن الجاهل معذور بجهله إن لم يكن الجهل من كسبه وفعله.
وبخصوص التسمية بعبد العليم فلم أجد أحدا من علماء السلف الصالح أو رواة الحديث سمى به، ولكن تسمى به كثير من المتأخرين، منهم شرف الدين أبي القاسم عبد العليم بن عبد العليم اليمني الحنفي، صاحب كتاب قلائد عقود الدرر والعقيان في مناقب أبي حنيفة النعمان [1] .
أثر الاسم في سلوك العبد أن يسارع بالتوبة دون تأخيرها، فيقلع عن الذنب ندما على تفريط النفس بسوء أدبها وتقصيرها، ويعزم عزما أكيدا ألا يعود إلى مخالفة باريها، فحينئذ يرجع إلى العبودية التي خلق لتنفيذها، فالله - عز وجل - تواب يعيد العبد الصادق في توبته إلى سابق وده ومحبته، إذا أقلع وندم واعتذر وعزم وكان حاله ينطق بالضعف والمسكنة، وأن الذنب إنما كان غلبة من الشيطان وقوة من وسواس النفس بالعصيان، وأنه لم يكن منه ما كان عن استهانة بحقه - سبحانه وتعالى - ولا جهلا بقدره، ولا إنكارا لاطلاعه ولا استهانة بوعيده، وإنما كان من غلبة الهوى والشهوة واقترانها بضعف القوة، وطمعا في مغفرته، واتكالا على عفوه، وحسن ظن به، ورجاء لكرمه، وطمعا في سعة حلمه، وغره بالله الغرور والنفس الأمارة بالسوء، وستره المرخي على عبده بمعاونة من جهله، ولا سبيل إلى الاعتصام له إلا به، ولا معونة على طاعته إلا بتوفيقه، وغير ذلك من أنواع التذلل والاستعطاف، والافتقار والاعتراف بأنه عاجر نادم عازم على تجديد العهد له بتوحيد العبودية، فهذا مقتضى التوبة الصادقة وتوحيد الله في اسمه التواب.
قال - عز وجل: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلي اللهِ للذِينَ يَعْمَلونَ السُّوءَ بِجَهَالةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَليْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَليمًا حَكِيمًا وَليْسَتِ التَّوْبَةُ للذِينَ يَعْمَلونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ قَال إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنَا لهُمْ عَذَابًا أَليما ً} [النساء:18] [2] ، وروى الطبراني وصححه الشيخ الألباني من حديث ابن
(1) كشف الظنون 2/ 1353، وانظر عجائب الآثار في التراجم والأخبار للجبرتي 2/ 355.
(2) انظر المزيد عن التوبة في مدارك السالكين 1/ 181.