فالجميع عنده وفي خزائنه إلا أنه أضاف الدنيا إلينا لرجوع الأحكام علينا وليزهدنا فيها، وأضاف الآخرة إليه تفضيلا لها وترغيبا لنا فيها، وقد روى مسلم من حديث صهيب - رضي الله عنه - أن رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: (عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلهُ خَيْرٌ، وَليْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ للمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لهُ) [1] .
وممن تسمى بالتعبد للاسم عبد الرزاق بن همام بن نافع الحافظ الكبير أبو بكر الحميري مولاهم الصنعاني صاحب التصانيف، روى عن عبيد الله بن عمر قليلا وعن بن جريج وثور بن يزيد ومعمر الأوزاعي والثوري وخلق كثير، وحديثه مخرج في الصحاح، مات في نصف شوال سنة إحدى عشرة ومائتين [2] .
دعاء العبادة يقتضي أن يوقن العبد أن الله قد ضمن له الرزق فلا يتواكل عن طلبه بل يأخذ بأسبابه تحرزا من الطمع وفساد القلب، ولا يضيع حق الزوجة والولد برغم أن أرزاقهم على الله - سبحانه وتعالى -، والذي يفعل ذلك تارك للسبيل والسنة، فدرجات التوكل ومراحله يجب على الموحد ألا يقلل من شأنها، ولا يأخذ بواحدة ويدع الأخرى وأولها توجه القلب إلى الله - سبحانه وتعالى - على الدوام لعلمه أنه على كل شيء قدير وهو الذي يعطي ويمنع فالقدرة كلها له، يحكم في خلقه بما شاء وكيف شاء، أما الأسباب فهي كالآلة بيد الصانع يسيرها ويدبرها، ويوفق من أخذ بها أو يخذله، أما المرحلة الثانية في التوكل توجه الجوارح إلى الأسباب، لأن الله أثبت آثارها لمعاني الحكمة وتصريفه الأشياء وتقليبها على سبيل الابتلاء، وإيقاع الأحكام على المحكوم وعود الجزاء على الظالم والمظلوم بالعقاب أو الثواب، وذلك ليكون المتوكل قائما بأحكام الشرع ملتزما بمقتضى العطاء والمنع؛ فالله - عز وجل - أمرنا بالسعي، ومن ثم لا يضر التصرف والتكسب في المعايش لمن صح توكله، ولا يقدح في منزلته عند الله، أما المرحلة الثالثة في التوكل التسليم والرضا واليقين بسابق القضاء؛ فالاستسلام لقضاء الله وقدره يكون بعد الأخذ بالأسباب، ولا يأتي قبلها وإلا كان تواكلا مرفوضا والعبد وقتها يكون على حسن
(1) مسلم في الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره كله خير 4/ 2295 (2999) .
(2) تذكرة الحفاظ 1/ 364، والتاريخ الكبير للبخاري 6/ 130، وتهذيب الكمال للمزي 18/ 52.