فهرس الكتاب

الصفحة 647 من 673

يُصبحُ العِبادُ فيه إِلاَّ مَلكانِ يَنزِلانِ فيقولُ أحدُهما: اللهمَّ أعطِ مُنفِقًا خَلفا، ويَقولُ الآخَرُ: اللّهمَّ أعطِ مُمسِكًا تلفًا) [1] .

والذي وحد الله في اسم الله الرزاق على يقين أن كل ما يناله من الخير والعطاء فهو رزقه من رب السماء، وأن الله قد قسمه فيما سبق به القضاء، وأن ما ناله من الأحكام سيصله لا محالة بالتمام، وما قسمه في المكتوب أزلا لن يكون لغيره من الخلق أبدا، فاللّه - عز وجل - متصف بالقدرة والحكمة، ومن أسمائه القدير الحكيم، فبالقدرة خلق الأشياء وأوجدها، وهداها وسيرها، وهذا توحيد الربوبية، وبالحكمة رتب الأسباب ونتائجها وابتلانا لنأخذ بها تحقيقا لتوحيد العبودية، فالذي وحد الله حقا لا بد أن يتقلب في إيمانه بالله بين حكمته وقدرته، وعدله ومشيئته، فلا يسقط الشرائع والأحكام ويتغاضى في سعيه عن تمييز الحلال من الحرام لاحتجاجه بمشيئة الله وقدرته وأن الخلائق مسيرون على جبر إرادته، ولا مناص من الدخول في تحت قهر ربوبيته فيعطل اسم الله الحكيم وما تضمنه الاسم من وصف الحكمة، وفي المقابل أيضا لا يجعل الأشياء والأسباب حاكمة أو ضارة نافعة فيشرك في توحيد الله، لأن الله قدير والقدرة صفته، وهو الذي أعطى ومنع، وضرّ ونفع، وخلق وفعل وجعل، لا شريك له في أسمائه ولا ظهير له في أحكامه، كما قال - عز وجل - في محكم كلامه: {إِنِ الْحُكْمُ إِلا للهِ} [يوسف:40] ، وقال: {وَلاَ يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أَحَدا} [الكهف:26] ، وقال أيضا عن جميع من سواه: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلكُونَ لكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لهُ إِليْهِ تُرْجَعُونَ} [العنكبوت:17] .

وقد أخبر الله - سبحانه وتعالى - أنه الرزاق كما أنه هو الخالق المحيي المميت، فقرن بين هذه الأربع في موضع واحد مع ترتيب الحكمة والقدرة، فقال - جل جلاله: {الله الذي خَلقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُميتُكُمْ ثُمَّ يُحْييكُمْ} [الروم:4] ، فكما أن الله - عز وجل - وحده هو الخالق المحي المميت، فكذلك هو وحده الرزاق، وإنما ذكر الله - عز وجل - الأسباب لأن الأسماء تتعلق بها وأحكام الشرع عائدة عليها بالثواب والعقاب، فذكرها لكي لا تعود الأحكام على الحاكم - سبحانه وتعالى -؛

(1) البخاري في الزكاة، باب قول الله تعالى فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى 2/ 522 (1374) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت