فهرس الكتاب

الصفحة 237 من 673

إلا مالك الملك الوارث الكبير، قال تعالى: {وَلِلهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [آل عمران:180] ، فالوارث سبحانه هو الباقي بعد فناء الخلق أو الوارث لجميع الأشياء بعد فناء أهلها، والوارث أيضا هو الذي أورث المؤمنين ديار الكافرين في الدنيا كما قال تعالى: {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تطَئُوها وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرا} [الأحزاب:27] ، وكذلك أورث المؤمنين مساكنهم في الجنة فجعل لهم البقاء مخلدين فيها كما قال: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [الزمر:74] ، وقال: {تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا} [مريم:63] ، وتوريث المؤمنين الجنة لا يعني أنها تشارك الله في البقاء والإرث، لأن خلد الجنة وأهلها إلى ما لا نهاية إنما هو بإبقاء الله وإرادته فبقاء المخلوقات ليس من طبيعتها ولا من خصائصها الذاتية، بل من طبيعتها جميعا الفناء، أما بقاء الله ودوامه وميراثه وسائر أوصافه فهي باقية ببقائه ملازمة لذاته سبحانه وتعالى، لأن البقاء صفة ذاتية له فهو الوارث لجميع الخلائق في الدنيا والآخرة.

الرب في اللغة صفة مشبهة للموصوف بالربوبية، فعله ربَّ يربُّ ربوبية، أو ربى يربي تربية، والرب هو الذي يربي غيره وينشئه شيئا فشيئا ويُطْلقُ على المالِك والسَّيِّد والمدَبَّر والمُرَبِّي والقَيِّم والمُنْعِم، ولا يُطلَقُ غيرَ مُضاف إلا على الله تعالى، وإذا أُطلِقَ على غَيره أُضِيف؛ كرب الإبل ورب الدار، أي مالكها، ويطلق أيضا على السيد المطاع، ومنه قوله تعالى: {أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا} أي سيده المطاع، ويطلق الرب أيضا على المعبود ومنه قول الشاعر:

أرب يبول الثعلبان برأسه ...: لقد ذل من بالت عليه الثعالب.

فوصف الرب من الناحية اللغوية يكون لمن أنشأ الشيء حالا فحالا إلي حد التمام أو قام على إصلاح شئونه وتولي أمره بانتظام [1] .

والرب سبحانه وتعالى هو المتكفل بخلق الموجودات وإنشائها والقائم علي هدايتها وإصلاحها وهو الذي نظم معيشتها ودبر أمرها، ودليل هذا المعنى ما ورد في قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الذِي خَلقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى

(1) انظر بتصرف: مفردات ألفاظ القرآن ص 336، والنهاية في غريب الحديث 2/ 179.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت