الأول القيام بالذات والبقاء على الوصف، والثاني إقامة الغير والإبقاء عليه لأن غيره مفتقر إليه، فالأول على اعتبار صفة الذات، والثاني على اعتبار صفة الفعل وعلى هذين المعنيين دارت عبارات اللغويين، فالقيوم هو القائم بنفسه مطلقًا لا بغيره الباقي أزلا وأبدا، أو القائم بتدبير أُمور الخلق وتدبير العالم بجميع أَحواله، فهو القائم بأَمور خلقه في إِنشائهم وتولي أرزاقهم وتحديد آجالهم وأَعمالهم، وهو العليم بمُسْتَقرِّهم ومستودعهم، وهو الذي يقوم به كل موجود حتى لا يتصور وجود شيء ولا دوام وجوده إِلا بقيوميته وإقامته له [1] .
والقيوم عز وجل هو القائم بنفسه الذي بلغ مطلق الكمال في وصفه، والباقي بكماله ووصفه على الدوام دون تغيير أو تأثير، فقد يكون الحي سميعا لكن يتأثر سمعه مع مرور الوقت، فيفتقر إلى وسيلة إضافية للسماع، يضع سماعة أو آلة يستعين بها لإكمال سمعه، فيلزم لاتصافه بكمال السمع أن يكون قيوما في سمعه له البقاء والكمال فيه على الدوام، وقد يكون الحي بصيرا لكن بصره يتأثر مع مرور الوقت فيفتقر إلى وسيلة إضافية للإبصار، فيضع زجاجة أو نظارة يستعين بها، فيلزم لاتصافه بكمال البصر والإبصار أن يكون قيوما في بصره له البقاء والكمال فيه على الدوام، والحي قد يكون متصفا بالصفات لكنه يتأثر بالغفلة والسنات، فتتأثر صفاته وتضمحل وربما ينام أو يموت فتزول وتنعدم، فلو كان قائما دائما لكملت حياته وبقيت صفاته، ولذلك قال تعالى: {اللهُ لا إِلهَ إِلا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ} [البقرة:255] ، فأثبت الحياة والقيومية اللازمة لكمال أسمائه وصفاته وأفعاله، وهذا المعنى كله في دلالة القيوم على صفة الذات، أما دلالته على صفة الفعل فالقيومية هنا مردها إلى معنى الربوبية فالقيم في اللغة هو السيد الذي يسوس الأمور ويدبرها، فقيم البلدة سيدها وأمينها ومدبرها ومنه قوله: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [الرعد:33] [2] وعند البخاري مرفوعا: (أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ) [3] .
العلي في اللغة فعِيل بمعنى فاعِل، صفة مشبهة للموصوف بالعلو، فعله علا يعلو علوا، والعلو ارتفاع المكان أو ارتفاع المكانة، فمن علو المكان ما ورد عند مسلم من حديث َزُهَيْرِ - رضي الله عنه - أنه قال: (لَمَّا نَزَلَتْ: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقرَبِينَ} [الشعراء:214] انْطَلَقَ
(1) لسان العرب 12/ 496، واشتقاق أسماء الله ص 105، ومفردات ألفاظ القرآن ص 690.
(2) تفسير البيضاوي 1/ 555، وتفسير القرطبي 3/ 272، وتفسير ابن كثير 1/ 309.
(3) البخاري في كتاب التهجد 5/ 2328 (5958) .