وقوله عز وجل: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [لقمان:22] ، والمحسن في الشرع هو الذي بلغ درجة الإحسان، والإحسان فسره النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء عن عمر - رضي الله عنه: (الإِحْسَان أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ) ، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ} [النحل:90] ، قيل: أَراد بالإِحسان الإِخْلاص وهو شرط في صحةِ الإِيمان والإِسلام معا، وقيل: أَراد بالإِحسان الإِشارةَ إلى المراقبة وحُسْن الطاعة فإِن مَنْ راقَب اللهَ أَحسَن عمَله، والمعنى يشمل الاثنين معا [1] .
والمحسن سبحانه هو الذي له كمال الحسن في أسمائه وصفاته وأفعاله، كما قال تعالى في كتابه: {اللهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [طه:8] ، فلا شيء أكمل ولا أجمل من الله، فكل كمال وجمال في المخلوق من آثار صنعته، وهو الذي لا يحد كماله ولا يوصف جلاله، ولا يحصي أحد من خلقه ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، ليس في أفعاله عبث ولا في أوامره سفه، بل أفعاله كلها لا تخرج عن الحكمة والمصلحة والعدل والفضل والرحمة، إن أعطى فبفضله ورحمته وإن منع أو عاقب فبعدله وحكمته، وهو الذي أحسن كل شيء خلقه فأتقن صنعه وأبدع كونه وهداه لغايته، وأحسن إلى خلقه بعموم نعمه وشمول كرمه وسعة رزقه على الرغم من مخالفة أكثرهم لأمره ونهيه، وأحسن إلي المؤمنين فوعدهم الحسني وعاملهم بفضله، وأحسن إلى من أساء فأمهله ثم حاسبه بعدله [2] .
الحسيب في اللغة من صيغ المبالغة، فعله حسِب يحسِب حسَابا وحسبانا، واسم الفاعل الحاسب، وهو الموصوف بمحاسبة غيره، والحساب ضبط العدد وبيان مقادير الأشياء المعدودة، سواء كان ذلك جزما أم ظنا، والحسيب هو الكافي الكريم الرفيع الشأن، والحسب في حقنا هو الشَّرَف الثابِتُ في الآباءِ، والحسَبُ أيضا هو الفعل الصَّالِحُ، ويقال: رُبَّ حَسِيبِ الأَصلِ غيرُ حَسِيب، ِأَي له آباء يفعلون الخير ولا يفعله هو [3] .
(1) لسان العرب 13/ 114، وكتاب العين 3/ 143، ومفردات ألفاظ القرآن ص 235.
(2) انظر طريق الهجرتين لابن القيم ص 470، والأسنى في شرح أسماء الله الحسنى للقرطبي 1/ 512.
(3) لسان العرب 1/ 310، واشتقاق أسماء الله ص 129.