فهرس الكتاب

الصفحة 219 من 673

والحسيب سبحانه هو العليم الكافي الذي قدر أرزاق الخلائق قبل خلقهم، ووعد باستكمال العباد لأرزاقهم على مقتضى حكمته في ترتيب أسبابهم، فضمن ألا تنفد خزائنه من الإنفاق، وأن كلا سينال نصيبه من الأرزاق، فهو الحسيب الرزاق وهو القدير الخلاق، قال أبو حامد: (الحسيب هو الكافي، وهو الذي من كان له كان حسبه، والله سبحانه وتعالى حسيب كل أحد وكافيه، وهذا وصف لا تتصور حقيقته لغيره، فإن الكفاية إنما يحتاج إليها المكفي لوجوده ولدوام وجوده ولكمال وجوده، وليس في الوجود شيء هو وحده كاف لشيء إلا الله عز وجل، فإنه وحده كاف لكل شيء لا لبعض الأشياء، أي هو وحده كاف ليحصل به وجود الأشياء ويدوم به وجودها ويكمل به وجودها) [1] .

وهو سبحانه أيضا الحسيب الذي يكفي عباده إذا التجئوا إليه، واستعانوا به واعتمدوا عليه، قال تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} [آل عمران:173/ 174] ، وعند البخاري من حديث ابن عباس - رضي الله عنه - قال: حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ، قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ - عليه السلام - حِينَ أُلْقِىَ في النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ حِينَ قَالُوا: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [2] ، ومن كان الله حسيبه كفاه، ومن عرف الحسيب حاسب نفسه قبل أن يلقاه.

والحسيب جل شأنه هو الذي يحصي أعداد المخلوقات وهيئاتها وما يميزها، ويضبط مقاديرها وخصائصها، ويحصي أعمال المكلفين في مختلف الدواوين، يحصي أرزاقهم وأسبابهم وأفعالهم ومآلهم في حال وجودهم وبعد موتهم وعند حسابهم يوم يقوم الأشهاد، فهو المجازي للخليقة عند قدومها بحسناتها وسيئاتها، وحِسابُه واقعٌ لا محالة لا يَشْغَلُه حِسابُ واحد عَن آخَر، كما لاَ يَشْغَلُه سَمْع عن سمع، ولا شَأْنٌ عن شأْنٍ فهو سريع الحساب كما قال: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [غافر:17] [3] .

والحسيب أيضا هو الكريم العظيم المجيد الذي له علو الشأن ومعاني الكمال،

(1) المقصد الأسنى للغزالي ص 113.

(2) البخاري في كتاب التفسير، باب إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم الآية 4/ 1662 (4287) .

(3) انظر شرح أسماء الله الحسنى للرازي ص 274، وتفسير أسماء الله الحسنى للزجاج ص 49، وكتاب المواقف لعضد الدين الإيجي 3/ 309.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت