فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 673

الله لنفسه أوصاف الكمال والجمال؛ فقال سبحانه بعد نفي النقص مطلقا وجملة: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى:11] فلا يكون التقديس تقديسا ولا التنزيه تنزيها إلا بنفي وإثبات، ومن ثم لا يجوز في حق الله قياس تمثلي أو شمولي وإنما يجوز في حقه قياس الأولى لقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى} [النحل:60] [1] .

السلام في اللغة مصدر استعمل اسما للموصوف بالسلامة، فعله سلم يسلم سلاما وسلامة، والسلامة الأمن والأمان والحصانة والاطمئنان، والبراءة من كل آفة ظاهرة وباطنة، والخلاص من كل مكروه وعيب [2] ، ومادة السلام تدل على الخلاص والنجاة، وقيل للجنة دار السلام لأنها دار السلامة من الهموم والآفات، باقية بنعيمها وأهلها في أمان ما دامت السماوات والأرض، قال تعالى: {لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام:127] [3] ، ومن السلامة أيضا التحية الخالصة من سوء الطوية وخبث النية، فسميت التحية في الإسلام سلاما، روى البخاري من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أن النَّبِيِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (خَلَقَ الله آدَمَ وَطولهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، ثمَّ قال اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ، تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، فقال السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: السَّلاَمُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَزَادُوهُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ) [4] .

والله عز وجل هو السلام لسلامته من النقائص والعيوب، فهو الذي سَلَِم في ذاته بنوره وجلاله، فمن جماله وسبحات وجهه احتجب عن خلقه رحمة بهم وابتلاء لهم روى مسلم من حديث أَبِي مُوسَى - رضي الله عنه - أن النبي قال صلى الله عليه وسلم: (حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ) [5] ، وهو الذي سَلَِم في صفاته بكمالها وعلو شأنها، وسلم أيضا في أفعاله بإطلاق قدرته وإنفاذ مشيئته، وكمال عدله وبالغ حكمته، وهو سبحانه الذي يدعو عباده إلى السلامة وإفشاء السلام فأثنى على عباده في قوله: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا} [الفرقان:63] ، وهو الذي يدعو إلى سبل السلام باتباع منهج الإسلام كما قال: {يَهْدِي بِهِ الله مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ} [المائدة:16] ، وهو سبحانه الذي يدعو عباده إلى دار السلام ويبلغ من استجاب منهم إليها فقال: وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ

(1) انظر مختصر القواعد السلفية في الصفات الربانية للمؤلف، محذورات القاعدة الأولى ص 13.

(2) لسان العرب 12/ 289، والمغرب في ترتيب المعرب 1/ 411.

(3) اشتقاق أسماء الله للزجاج ص 216.

(4) البخاري في أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم صلوات الله عليه 3/ 1210 (3148) .

(5) مسلم في كتاب الإيمان، باب في قوله عليه السلام إن الله لا ينام 1/ 161 (179) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت