تعرفه والعقول لا تكيفه وهو بكل شيء محيط) [1] ، ومن معاني المبين أيضا الغني عن العالمين الذي لا يفتقر لأحد من خلقه [2] .
والمبين سبحانه هو الذي أبان لكل مخلوق علة وجوده وغايته، وأبان لهم طلاقة قدرته مع بالغ حكمته، وأبان لهم الأدلة القاطعة على وحدانيته، وأبان لهم دينهم بأحكام شريعته، ولا يعذب أحدا من خلقه إلا بعد بيان حجته، قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى} [طه:134] ، وقد خاطب المبين عباده بكل أنواع البيان، وأقام حجته بكل أنواع البرهان، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ الله مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم} [إبراهيم:4] ، قال البيهقي: (المبين له معان منها أنه بين لذوي العقول، ومنها أن الفضل يقع به، ومنها أن التحقيق والتمييز إليه، ومنها أن الهداية به) [3] .
القوي في اللغة صفة مشبهة للموصوف بالقوة، وقد قوِيَ وتَقوَّى فهو قوي، يقال قوَّى الله ضعفك أَي أَبدَلك مكان الضعف قوة، فالقوة نقيض الضعف والوهن والعجز، وهي الاستعداد الذاتي والقدرة على الفعل وعدم العجز عن القيام به، قال تعالى لموسى - عليه السلام - عن الأَلواح: {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ} [الأعراف:145] ، أَي خذها بقُوَّة في دينك وحُجَّتك، وقال ليحي - عليه السلام: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [مريم:12] ، أَي بِجِد وعَوْن من الله تعالى [4] .
والقوي سبحانه هو الموصوف بالقوة، وصاحب القدرة المطلقة، لا يغلبه غالب ولا يرد قضاءه راد، ولا يمنعه مانع، ولا يدفعه دافع، وهو القوي في بطشه القادر على إتمام فعله، له مطلق المشيئة والأمر في مملكته، والقوي سبحانه قوي في ذاته لا يعتريه ضعف أو قصور، قيوم لا يتأثر بوهن أو فتور، ينصر من نصره، ويخذل من خذله كما قال: {وَلَيَنْصُرَنَّ الله مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج:40] ، والقوي سبحانه هو الذي كتب الغلبة لنفسه ورسله فقال: {كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِن الله قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [المجادلة:21] ، فالقوي هو الكامل القدرة على الشيء الذي لا يستولي عليه العجز في حال من الأحول الموصوف بالقوة المطلقة، قال تعالى: {مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}
(1) العلو للعلي الغفار ص 235.
(2) انظر تفسير الرازي للمبين في شرح أسماء الله الحسنى ص 229.
(3) شعب الإيمان 1/ 119، وانظر مفردات ألفاظ القرآن ص 157، واشتقاق أسماء الله للزجاج ص 180.
(4) لسان العرب 15/ 206، وكتاب العين 5/ 237.