مقياسه في مثقال الذرات فهذا على الدوام مسجل مكتوب، ومرصود محسوب بالزمان والمكان، ومقدار الإرادة والعلم والاستطاعة، قال تعالى: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف:49] [1] .
القدير في اللغة من صيغ المبالغة، فعيل من القادر، فعله قدر يقدر تقديرا، قال ابن منظور: (القادر والقَدِيرُ من صفات الله عز وجل يكونان من القُدْرَة ويكونان من التقدير، وقوله تعالى: {إِنَّ اللهَ عَلَى كُل شَيْء قَديرٌ} [البقرة:148] من القُدْرة، فالله عز وجل على كل شيء قدير، والله سبحانه مُقَدِّرُ كُلِّ شيء وقاضيه) [2] ، قال ابن الأثير: (في أسماء الله تعالى القادِرُ والمُقْتَدِرُ والقَدِيرُ، فالقادر اسم فاعل من قَدَرَ يَقْدِرُ والقَدِير فعيل منه، وهو للمبالغة، والمقتدر مُفتَعِل من اقتَدَرَ، وهو أبلغ) [3] ، وقال الزجاج: (القدير أبلغ في الوصف من القادر، لأن القادر اسم الفاعل من قدر يقدر فهو قادر، وقدير فعيل، وفعيل من أبنية المبالغة) [4] .
والقدير سبحانه وتعالى هو الذي يتولى تنفيذ المقادير ويخلقها على ما جاء في سابق التقدير؛ فمراتب القدر أربع مراتب، العلم والكتابة والمشيئة والخلق، والمقصود بهذه المراتب المراحل التي يمر بها المخلوق من كونه معلومة في علم الله في الأزل إلى الواقع المشهود، وهذه المراحل تسمى عند السلف الصالح مراتب القدر، فلا بد لخلق الشيء وصناعته من العلم والكتابة والمشيئة ومباشرة التصنيع والفعل، ولله المثل الأعلى إذا كان المُصَنِّعَ الذي يشيد البنيان لا بد أن يبدأ مشروعه أولا بفكرة في الأذهان ومعلومات مدروسة بدقة وإتقان، درسها جيدا وقام بتقدير حساباته وضبط أموره وإمكانياته، ثم يقوم بكتابة هذه المعلومات ويخط لها في بضع ورقات أنواعا من الرسومات التي يمكن أن يخاطب من خلالها مختلف الجهات، ثم يتوقف الأمر بعد ذلك على مشيئته أو إرادته في التنفيذ وتوقيت الفعل إن توفرت لديه القدرة والإمكانيات، ثم يبدأ في التنفيذ إلى أن ينتهي البنيان كما قدر له في الأذهان، فإذا كانت هذه مراحل تصنيع الأشياء بين المخلوقات بحكم العقل والفطرة، فالله سبحانه وله المثل الأعلى منفرد بمراتب القضاء
(1) اتظر كتاب توحيد العبادة ومفهوم الإيمان للمؤلف ص 77، مطبعة التقدم، القاهرة سنة 1991 م.
(2) لسان العرب 5/ 74، ومفردات ألفاظ القرآن ص 657، والفائق 3/ 8.
(3) النهاية في غريب الحديث 4/ 22.
(4) اشتقاق أسماء الله ص 48.