حديث عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو - رضي الله عنه - قال: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ كَمْ نَعْفُو عَنِ الْخَادِمِ؟ فَصَمَتَ، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ الْكَلاَمَ، فَصَمَتَ، فَلَمَّا كَانَ فِي الثَّالِثَةِ قَالَ: اعْفُوا عَنْهُ فِي كُل يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّة) [1] ، فالعفو هو ترك الشيء وإزالته، وقوله تعالى: {عَفَا الله عَنْكَ َ} [التوبة:43] ، أي مَحا الله عنك هذا الأمر وغفر لك.
والعفو يأتي أيضا على معنى الكثرة والزيادة، فعَفوُ المالِ هو ما يَفضُل عن النَّفقة كما في قوله تعالى: {وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} [البقرة:219] ، وعَفا القوم كثرُوا وعَفا النَّبتُ والشَّعَرُ وغيرُه يعني كثرَ وطال، ومنه الأَمَرَ بإِعْفاءِ اللحَى [2] .
والعفوُّ سبحانه هو الذي يحب العفو والستر، ويصفح عن الذنوب مهما كان شأنها، ويستر العيوب ولا يحب الجهر بها، يعفو عن المسيء كَرَمًا وإحسانًا، ويفتح واسع رحمته فضلا وإنعاما، حتى يزول اليأس من القلوب، وتتعلق في رجائها بمقلب القلوب [3] ، قال القرطبي: (العفو عفو الله جل وعز عن خلقه، وقد يكون بعد العقوبة وقبلها بخلاف الغفران فإنه لا يكون معه عقوبة البتة، وكل من استحق عقوبة فتركت له فقد عفي عنه، فالعفو محو الذنب) [4] .
والمقصود بمحو الذنب محو الوزر الموضوع على فعل الذنب فتكون أفعال العبد مخالفات أو كبائر ومحرمات ثم بالتوبة الصادقة يبدل الله سيئاته حسنات، قال تعالى: ... {إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان:70] فتمحى السيئات عفوا وتستبدل بالحسنات، أما الأفعال فهي في كتاب العبد حتى يلقي ربه فيدنيه منه ويعرفه بذنبه وسوء فعله ثم يسترها عليه، كما ورد عند البخاري من حديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ اللَّهَ يُدْنِى الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ، وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيَقُولُ الأَشْهَادُ: هَؤُلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ، أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظَّالِمِينَ) [5] ، فالوزر أو عدد السيئات هو الذي يعفى ويمحى من الكتاب، أما الفعل ذاته المحسوب بالحركات والسكنات أو
(1) أبو داود في الأدب، باب في حق المملوك 4/ 341 (5164) ، صحيح أبي داود (4301) .
(2) اشتقاق أسماء الله للزجاج ص 134.
(3) الأسماء والصفات للبيهقي ص 75، وتفسير أسماء الله للزجاج ص 82، وشرح أسماء الله للرازي ص 339.
(4) تفسير القرطبي 1/ 397.
(5) البخاري في المظالم، باب قول الله تعالى ألا لعنة الله على الظالمين 2/ 862 (2309) .