فالإيمان بهذا هو نظام التوحيد، ومتى انحل من القلب انحل نظام التوحيد، فسبحان من لا يوصل إليه إلا به، ولا يطاع إلا بمشيئته، ولا ينال ما عنده من الكرامة إلا بطاعته، ولا سبيل إلى طاعته إلا بتوفيقه ومعونته، فعاد الأمر كله إليه، كما ابتدأ الأمر كله منه، فهو الأول والآخر، والكل مستند إليه إبداعا وإنشاء واختراعا، وخلقا وإحداثا، وتكوينا وإيجادا، وإبداء وإعادة وبعثا، فله الملك كله، هو الأول بلا أول كان قبله، والآخر بلا آخر يكون بعده [1] .
ومن جهة التسمية بعبد الآخر والتعبد بهذ الاسم فلم يتسم به أحد من السلف أو الخلف في مجال ما أجرينا عليه البحث الحاسوبي، وفي عصرنا تسمى به الشيخ عبد الآخر حماد الغنيمي صاحب المنحة الإلهية في تهذيب شرح الطحاوية.
دعاء العبادة هو أثر الاسم على اعتقاد العبد وسلوكه، فمن جهة الاعتقاد إيمانه بقدرة الله في الأشياء وأنه الظاهر الذي استوى على عرشه في السماء، وأنه المهيمن على سائر الأشياء، وأنه سبحانه منفرد بالخلق والتدبير، وقائم بالملك والتقدير، وإذا نظر إلي وجوه الحكمة في إظهار الأسباب وتصريفها وابتلاء العباد بتقليبها أخذ بها على وجه الضرورة واللزوم لإيقاع الأحكام على المحكوم، فمن وافق الشرائع والسنن استحق من الله الثواب ومن خالف وابتدع استحق منه العقاب، وجميع الخلائق سيلاقي ما دون في أم الكتاب.
ولما كان الله عز وجل غالب على أمره وظاهر فوق خلقه، فإنه سينفذ مراده في ملكه ولن يخرج ذلك عن كمال عدله، فكان ابتلاء العباد من خلال دعوتهم للإيمان بتوحيد الربوبية من جهة وإلزامهم بتوحيد العبودية من جهة أخرى، قال - عز وجل: {فَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَال إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلى عِلمٍ بَل هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلمُونَ} [الزمر:49] ، فتنة لأنه نظر إلى الأسباب الظاهرة في تقلبها وتغافل عن مقلبها، الذي أظهرها باسمه الظاهر تحقيقا للحكمة في اسمه الحكيم، تلك الحكمة التي خلقهم من أجلها، وإظهارا للقدرة التي كلفهم بتوحيد العبودية من خلالها، فالمتوكل
(1) السابق 1/ 53 بتصرف.