فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 673

أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ جُلُوسٌ فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ؛ فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ: فَقَالُوا: السَّلاَمُ عَلَيْكَ وَرَحْمَة اللهِ فَزَادُوهُ وَرَحْمَة اللهِ، فَكل مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ، فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدُ حَتَّى الآنَ) [1] .

والحديث ظاهر المعنى في أن الله صور آدم وجعل له سمعا وبصرا وعلما وحكما وخلافة وملكا وغير ذلك من الأوصاف المشتركة عند التجرد والتي يصح عند إطلاقها استخدامها في حق الخالق والمخلوق، فالله عز وجل له صورة وآدم له صورة ولفظ الصورة عند التجرد لا يعني أبد التماثل ولا يكون علة للتشبيه إلا عند من فسدت فطرته من المشبهة والمعطلة، أما الصورة عند الإضافة والتقييد فصورة الحق لا يعلم كيفيتها إلا هو، لأننا ما رأيناه وما رأينا له مثيلا، أما صورة آدم فمعلومة المعنى والكيفية، وقد خلق الله آدم على صورته سبحانه في القدر المشترك مع ثبوت الفارق عند أهل التوحيد، وقد قال ابن تيمية: (ما من شيئين إلا بينهما قدر مشترك وقدر فارق فمن نفى القدر المشترك فقد عطل، ومن نفى القدر الفارق فقد مثل) [2] ، والحديث عن ذلك له موضعه، والقصد أن المصور سبحانه خص الإنسان بهيئة متميزة من خلالها يدرك بالبصر والبصيرة، وأسجد له بعد تصويره الملائكة، وليس بعد ذلك شرف أو فضيلة [3] .

الأول في اللغة على وزن أفعل، تأسيس فعله من همزة وواو ولام، آل يؤول أوْلا وقد قيل من واوين ولام، والأول أفصح وهو في اللغة صفة مشبهة للموصوف بالأولية وهو الذي يترتب عليه غيره، والأولية أيضا الرجوع إلى أول الشيء ومبدؤه أو مصدره وأصله، ويستعمل الأول للمتقدم بالزمان كقولك عبد الملك أولا ثم المنصور، والمتقدم بالرياسة في الشيء وكون غيره محتذيا به نحو الأمير أولا ثم الوزير والمتقدم بالنظام الصناعي نحو أن يقال: الأساس أولا ثم البناء [4] .

والأول سبحانه هو الذي لم يسبقه في الوجود شيء، وهو الذي علا بذاته وشأنه فوق كل شيء، وهو الذي لا يحتاج إلى غيره في شيء، وهو المستغني بنفسه عن كل شيء [5] ، فالأول اسم دل على وصف الأولية، وأولية الله تقدمه على كل من سواه في الزمان، فهي بمعنى القَبلية خلاف البعدية، أو التقدم خلاف التأخر، وهذه أولية زمانية، ومن الأولية أيضا تقدمه سبحانه على غيره تقدما مطلقا في كل وصف كمال

(1) البخاري في الاستئذان، باب بدء السلام 5/ 2299 (5873) ، ومسلم في كتاب الجنة 4/ 2183 (2841) .

(2) الرسالة التدمرية ضمن مجموع الفتاوى 3/ 69.

(3) انظر أقوال العلماء في المراد بحديث بقوله خلق الله آدم على صورته، فتح الباري 5/ 183.

(4) مفردات ألفاظ القرآن ص 100، وكتاب العين 8/ 368، واشتقاق أسماء الله ص 204.

(5) السابق ص 100، والأسماء والصفات للبيهقي ص 25.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت