وهذا معنى الكمال في الذات والصفات في مقابل العجز والقصور لغيره من المخلوقات فلا يدانيه ولا يساويه أحد من خلقه لأنه سبحانه منفرد بذاته ووصفه وفعله، فالأول هو المتصف بالأولية، والأولية وصف لله وليست لأحد سواه [1] ، وربما يستشكل البعض وصف الله بالأولية مع وصفه بدوام الخالقية والقدرة والفاعلية، فإذا كان الله عز وجل هو الأول الذي ليس قبله شيء، فهل يعني ذلك أنه كان معطلا عن الفعل ثم أصبح خالقا فاعلا قادرا بعد أن لم يكن؟
والجواب عن ذلك أن يقال: إن الله عز وجل موصوف بأنه مريد فعال يفعل ما يشاء وقت ما يشاء كما قال: {ذُو العَرْشِ المَجِيد ُفَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} [البروج:16] ، وقد بين الله عز وجل أنه قبل وجود السماوات والأرض لم يكن سوى العرش والماء كما جاء في قوله تعالى: {وَهُوَ الذِي خَلقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلى المَاء} [هود:7] ، ومن حديث عِمْرَانَ - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَال: (كَانَ اللهُ وَلمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلى المَاءِ، ثُمَّ خَلقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْض، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُل شَيْءٍ) [2] ، وربما يسأل سائل ويقول: وماذا قبل العرش والماء؟
والجواب: أن الله قد شاء أن يوقف علمنا عن بداية المخلوقات عند العرش والماء فقال تعالى: {ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ} [البقرة:255] ، فالله أعلم هل توجد مخلوقات قبل العرش والماء أم لا؟ لكننا نعتقد أن وجودها أمر ممكن متعلق بمشيئة الله وقدرته، فالله أخبرنا أنه يخلق ما يشاء، ويفعل ما يشاء وهو على ما يشاء قدير، وأنه متصف بصفات الأفعال، ومن لوازم الكمال أنه فعال لما يريد على الدوام أزلا وأبدا سواء كان ذلك قبل العرش والماء أو بعد وجودهما، لكن الله أوقف علمنا عند هذا الحد، كما أن جهلنا بذلك لا يؤثر فيما يخصنا أو يتعلق بحياتنا من معلومات ضرورية لتحقيق الكمال في حياة الإنسان، قال سليمان التيمي رحمه الله: (لو سئلت: أين الله؟ لقلت: في السماء، فإن قال السائل: أين كان عرشه قبل السماء؟ لقلت: على الماء، فإن قال: فأين كان عرشه قبل الماء؟ لقلت: لا أعلم) [3] ، ويعقب الإمام البخاري رحمه الله بقوله: (وذلك لقول الله تعالى: {ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ} [البقرة:255] يعني إلا بما بين) [4] .
وهذه المسألة تسمى في باب العقيدة بالتسلسل وهو ترتيب وجود المخلوقات في
(1) الأسماء والصفات للبيهقي ص 24، تفسير أسماء الله للزجاج ص 60، وشرح أسماء الله للرازي ص 325.
(2) البخاري في كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قوله وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده 3/ 1166 (3019) .
(3) خلق أفعال العباد ص 37.
(4) السابق 37.